Showing posts with label قصة طويلة. Show all posts
Showing posts with label قصة طويلة. Show all posts

Thursday, February 11, 2010

كالح

أفتح عيني بصعوبة وأنا أعرف أنني لن أقدر على مغادرة الفراش الآن.. وربما بقيت في الفراش طوال اليوم.. أتأمل حقارة غرفتي بتدقيق شديد وأتعجب أكثر من تفاهة الحديث عن جمال الألم إذا ما صح الجمع بين الكلمتين في توصيف واحد

يقول بعض الناس إنهم يرون في الفقر والنكبة والألم والخراب جمالا خاصا.. ولا أظن أن بين هؤلاء الناس فقيرا أو منكوبا أو متأملا أو مصدوما

أي جمال في هذا الأثاث المحدود الذي يغلب عليه اللون الكالح؟.. خشب الفراش كالح والملاءة لم يعد لها لون محدد وقطعة السجاد البالية على الأرض أيضا لونها كالح

الأصح أن فقدان الألوان هو آخر العلامات البصرية الظاهرة للفقر.. والحق أنني أعتبر الألوان أول العلامات البصرية الظاهرة للجمال

أغمض عيني وأغرق في بحر من الألوان التي خلفتها أحلام الليلة الفائتة.. وألوك بين النوم والصحو مفردات نظريتي اللونية الجديدة




هنــــا القاهرة

وصلت إلى الحد الأقصى للقرفصاء.. ومع ذلك لا جدوى فما زالت سهام البرد القارس تخترق ملابسي من بلاط الرصيف الأسمنتي مباشرة إلى بطني التي لم تتخلص من حساسيتها للبرد حتى بعد كل هذه السنوات من الصياعة والتشرد


وبدأت أمعائي في التحرك إيذانا بنوبة مغص جديدة فيها تنطلق أنصال غير مرئية من أعلى إلى أسفل لتتجمع سنونها جميعا فيما فوق المثانة وتظل جادة في فعل القطع لثوان ثم تنفرج لتتركني في حالة من الإنهاك والإعياء في انتظار نوبة تالية بينما تتعالى أنفاسي التي أصبحت العلامة الوحيدة على حياة هذه الكومة من الأسمال التي تحتويني


لاشيء يصلح ما أفسده البرد غير الدفء.. أقوم حاملا جسدي الموشك على التجمد وكيس ملابسي المكون من عدة أكياس مختلفة الألوان ليس بها من الملابس غير زوج من الجوارب الصوف الميري قطفته من على حبل غسيل في الطابق الأرضي لمنزل بالقرب من هنا.. ولا يمكن أن أخاطر بارتدائه على قدمين حافيتين حتى لو قتلني البرد في هذا الليلة القاسية.. مستحيل أن أخسر ثروة كهذه في مغامرة أسفلتية غير محسوبة


أحتضن بطني بقوة وأسير منحنيا تحت وطأة نوبة المغص الموشكة وأسير لمسافة قصيرة في شارع متفرع عن شارع محمد فريد بوسط البلد.. ولا تحملني قدماي كثيرا حتى أصل إلى جوار هواية تبريد ما يبدو أنه جهاز تكييف مركزي لبناية بنك مصر العملاقة.. حرارة الآلة العملاقة تندفع بين ريشات الهواية مشكلة ملاذا دافئا بحدود وهمية.. وبدت فكرة الاستلقاء داخل هذا الملاذ حلا أرسلته لي السماء في نوبة كرم غير مقصودة


والأغلب أن السماء قصدت ذلك الكلب الذي تآكل نصف الشعر في ظهره نتيجة للجرب والذي اختار تلك البقعة بالتحديد لقضاء الليلة


لا أحب أن أزاحم كيس البراغيث والقراض ولا أحبه أن يزاحمني.. لكنها ضرورة تستحق الصراع.. ولم يكن ذلك الصراع الاضطراري عنيفا بقدر ما كان حاسما.. فقد تكفلت زلطة صغيرة بإرسال الكلب الأسود إلى آخر الرصيف وهو يضم قائمتيه الخلفيتين على ذيله الخائف ويصدر عواءا مهزوما رددت عليه "امش!!.. هش ابعد!!".. وخلت البقعة السحرية التي اكتشفت أنها مكررة على مسافات متساوية في الجدار.. وخفت إحساسي بالذنب تجاه الكلب عندما تصورت أنه سيكتفي باللجوء إلى ملاذ مشابه في الجانب الآخر للبناية


ألقيت بنفسي بالسرعة والكيفية اللتين حددتهما الجاذبية.. فلم يكن قد بقي مني في هذه الليلة شيء يستحق وضعه على الأرض بعناية


استدعي النوم الذي لا يمانع المجئ صاغرا وسط هذا التعب.. ويأتي معه رجل أمن قصير بدين يبدو أنه نبت من أحد الطوابق تحت الأرضية لبناية بنك مصر.. "انت يا..!! مافيش نوم هنا..امش!!.. هش ابعد!!"

Friday, January 15, 2010

تلات سجاير


جلس على الكتلة الاسمنتية المربوطة إلى العامود بجنزير أحكم غلقه بقفل كبير وكأن البردورة المسروقة أصلا من الرصيف يمكن أن تكون ضحية لسرقة جديدة..ووضع يديه في جيوبه وقد ضم ساقيه النحيلتين داخل سراويله الواسعة القصيرة.. لقد تمكن من علاج هذا الاتساع الفج بربط عروتي الأمام بسلك كهرباء أزرق كان رباطا لبقجة الملابس التي وجد بها هذه الملابس التي لا بد وأنها مسروقة من رجل بدين زوج لاثنتين.. أما قصر السراويل فلا حل له سوى احتمال القشف في القدمين إلى ما قرب الركبة.. والحمد لله أن عثر على هذا الشبشب الجلدي أمام زاوية عبد الستار قبل أن يعثر عليه صاحبه فلولاه لواصل الأسفلت لعق قدميه ومطاردته إلى حافة الرصيف حيث يحلو للسكارى والقطط التقيؤ وللمتسكعين أمثاله قضاء حاجتهم.
أخرج يده من جيبه وفيها قطعة معدنية لامعة.. نظر إليها بتدقيق وتأمل الحروف الأجنبية المحفورة عليها بإعجاب.. ثم مد يده الأخرى ليفتح رأسها فيتكشف تكوينها الداخلي المعقد.. ينظر بانبهار إلى الفتيل الغاطس خلال أنبوب وزعت ثقوبه بشكل متقابل نحو كتلة قطنية بداخل القطعة بينما بدت القداحة الدائرية على جانب أنبوب الثقوب وكأنها دعوة للمحاولة.. نظر حوله في خشية أكثرها استثارة بالكنز الصغير ثم أدار القداحة التي احتكت بقوة بالحجر الصغير المثبت تحتها وانبعث اللهب الأزرق إلى الفتيل لتشتعل الولاعة.. مد يده الأخرى وقلب رأس القطعة المعدنية اللامعة على اللهب وأعادها إلى جيبه وهو يتلفت حوله... هذه المرة بخشية كاملة من أن يكون أحد رآهوثب من مكانه وأطلق للشبشب الجلدي حرية خرق صمت الحارة الجانبية باحتكاكه الجاد بالأرض.. إلى أن وصل إلى الناصية ومنها اتجه يمينا وهو يتوازن بمهارة فوق الرصيف المكسر حتى أصبح في مواجهة عوينات عم عليوة الزجاجية السميكة فمد يده إليه بخمسين قرشا ورقية كانت كل ما معه..هات تلات سجاير

بين صفعتين


التفت بقلق يشوبه قلق أعمق إلى يمينه.. وما زالت يداه تعملان بهمة في جمع أجزاء المفرمة الحديدية الصغيرة.. وجدها على حالها وقد جفت دموعها في زوايا عينيها وجف لعابها المختلط بالدم في خيوط قشرية متقطعة على وجهها وعنقها.. كان على وجهها شبح ابتسامة خائفة يدرك معناها جيدا وهي تلملم جيب قميصها البلدي الرخيص ليستر صدرها المسطح .. صدرها الخالي تماما من الأنوثة.. ويهتز شعرها الأشعث بينما تتنخم بقوة بقايا من دموع ومخاط دام وتبتلعها
لم تزعجه الحركة المقززة.. فقد اعتاد أن يراها جميلة في كل أحوالها.. وسبق أن رآها ميتة الشتاء الماضي ولم يغير ذلك شيئا في شعوره نحوها.. هي أجمل امرأة في دفتر الأنوثة ولو لم يكن لها حيز من بدن
تمتد يد ثقيلة من فراغ المفاجأة وتنفرج أصابعها القاسية عن صفعة جديدة.. "اشتغل يا ابن القحبة!!".. فيعود مرة إلى تجميع المفرمة الحديدية الصغيرة.. ودون أن يرفع عينيه عن خليط التروس بين يديه مسح في كتفه خيطا قشريا متقطعا كان قد جف عن الصفعة السابقة

Friday, December 18, 2009

ما علينا

"ما علينا!!".. قالها عم عبود للمرة العاشرة أو يزيد خلال حواره الطويل معي قبل أن يستأنف الكركرة في أرجيلته التي صنعها بشكل بدائي من عبوة بلاستيكية لمنظف شهير وبقايا من خراطيم الري الرفيعة.. ولم يشتر لها سوى الحجر.."ده بقا ماليش فيه.. بس يتعمل والله انما فين الراس يا باشمهندس؟؟.. الراجل مننا لو ما كانش يعرف يتصرف هايبقى عدم المؤاخذة ركوبة.. ربنا يكفينا شر الرجالة الركايب.. ما علينا!!" .. يعتدل عبود ليلملم عباءته الجوخ التي كانت محور وصلة من وصلاته الوصفية والفلسفية –نسبيا- خلال الليلة الشتوية الباردة التي بدا أنها أكثر من مجرد ليلة لا هدف لها.. وأنها.. "ما علينا".. يدس عبود العباءة ليغطي بها أصابع قدميه ويستهل وصلة جديدة بسعلة عميقة تخللت شعبا هوائية سدها غبار ما يقرب من سبعين سنة عاشها الرجل وأحرقتها عادات التدخين الغريبة.. "انا لو احتكمت سيادتك على مليوم جنيه.. اول حاجة هاشتريها مدفع رشاش مكنة.. ومش هاقوللك بقا هاطخ رئيس الجمهورية.. لا!! اول حد هاطخه المرة والعيال.. انا عندي ست عيال.. هابندقهم كلك هم والمرة.. يا باشا اللي يغتنى بيبقى عايز يخلص من الفقر.. واللي فات كله فقر.. ما علينا!!".. لا أتعجب كثيرا من سير الحديث.. فلو كنت أتوقع منه شيئا لشاركت فيه.. لكنني قصرت دوري على تأمل عم عبود وطريقته المستفزة في إدارة حواره من طرفه وحده.. وكيف أنه يصل بنهاية كل عبارة إلى نهاية تجعل كل ما قيل قبلها عبثا.. وتجعل كل الكلام سيان.. وكل المختلفات متساوية في أنها جميعا "ما علينا!!".. "عارف جنابك.. أبويا كان يقول.. دايما والله يا باشمهندس.. كان يقول شورة المرة تخرب الدار سنة لو صحت.. شوف لو صحت تخرب الدار سنة.. شوف بقا جنابك لو خلفت معاها ولا مالت.. تبقى الدنيا خربت يا محمدي.. انما كان الله الوكيل راجل ركوبة هو راخر.. يزرع ويقلع طول الزرعة وبعد ما يضم الغلة يشونها في البيت وما يستجريش يبيع من الغلة قدح.. أمال ايه؟؟؟ كانت المرة تطينه.. ما علينا!!".. أسرح بنظري بعيدا وبسمعي أبعد وأترك لعبود ساحة الكلام والاستماع معا.. أنظر إلى القمر المكتمل بوجهه المثير للاكتئاب وهو يزحف مزاحما سحبا كثيفة ويحاول الإطلال علينا.. وأسمع في داخلي صوتا يضحك ضحكة مريرة.. ماذا يا عبود الكلب لو كتبت مذكراتي على مذهبك العبثي المبتكر.. ستكون أضخم سيرة ذاتية تحت نفس العنوان لا فوقه

Sunday, November 08, 2009

الميلاد الثاني


ولدت للمرة الأولى في التاسع من نوفمبر عام 1975 ثم اكتشفت بعد مرور 34 سنة أنني قضيت العمر جنينا وآن الأوان أن أولد من جديد
عندي أحلام كثيرة في الحياة القادمة.. أريد أن أحققها جميعا بعد أن ظللت حبيس هذا الرحم الخرافي لأكثر من ثلاثة عقود.. أحلم أولا أن ألتقي الدنيا بصرخة الميلاد..فلا أذكر أنني صرخت قبل اليوم في أي مرحلة.. وأحلم أن أتم رضاعتي عامين وأن يأتي فطامي فجأة.. وأحلم أن أترك للبكاء قليلا قبل أن أسعف بالطعام أو الحفاض أو ملين المعدة.. أريد أن أعتاد مبكرا تجربة البكاء
أريد أن أتعلم المشي قبل أن أتم عامي الأول.. ما أتعس أن أعيش قعيدا بهاتين الساقين الطويلتين.. دعوني أتعلم واتركوني لأقدار السقوط بين الحين والآخر.. أريد أن أعتاد مبكرا تجربة السقوط
لا تدللوني باسم مؤنث أرجوكم.. فإسمي هو كنيتي المفضلة وبه ما يكفيني من الدلال.. واتركوا أيضا كحل العين للبنات.. تعجبني عيوني هكذا دون رموش
لا تحتفلوا كثيرا بأول كلمة أنطقها.. فسوف يأتي كلامي غدا وفيرا.. ويقيني أنكم لن تحتفلوا بل لن تحفلوا بكلمة
فإذا أتممت عاما بعد عام فلتكن كعكتي مستطيلة بها شمعة.. أوقدوها ولا تتوقعوا أن يقدر على إطفائها أحد

Sunday, September 20, 2009

من وحي مشهد سينمائي

أغمض عيني اليمنى التي ترتعش بثقل قطرة العرق فوق جفني.. وأفتحها بسرعة مركزا البصر على المسار الوهمي داخل تلسكوب البندقية والهدف.. الهدف وعليه خطان متصالبان.. وحوله دائرة..الهدف يرفع قنينة الماء إلى فمه.. ويشرب.. هو يستريح من ساعات قضاها في مراقبتي.. وأنا يحرق عيني ماء العرق المالح الذي ابتلعته الجفون.. بينما أشد بيدي الخيش الخشن الذي لففت به ماسورة البندقية إمعانا في الصمت..يعود الهدف إلى رقدته على بطنه.. ويمسك ببندقيته وتلتقي عيوننا مرة أخرى عبر مسارات الرؤية داخل التلسكوبين.. ومن خلال الخطوط المتصالبة.. ودوائر الإحكام.. هذه فرصة أخرى تضيع لاصطياده.. لا بأس.. أنا لا أصيد الهدف في لحظة ضعف.. والقناصة يقتلون بعضهم بشرف، وإلا لن تكون للقنص أي لذة.. ويصبح الاصطياد قتلا..التقط نفسا عميقا وأكتمه في صدري.. أزم شفتي وأضغط بذراع البندقية على كتفي لأسم دقات قلبي .. أبحث عن جزء من الثانية لا ينبض فيه القلب.. جزء من الثانية للسكون التام.. وبين نبضتين يهدأ كل شيء.. وأصير أنا والبندقية ومسار الرؤية والهدف وحدة واحدة.. أضغط الزناد بحسم.. وأسمع صوت انفجار الرصاصة داخل القاذف.. وأسمع صوت اختراقها لحاجز الصوت..لا نسمع صوت الرصاصة التي تقتلنا.. فهي أكثر مباشرة من أن تتحايل.. تقلع روحي رأسيا إلى أعلى.. وأشاهد في طريقي بعين الطائر الحر تلسكوبين محطمين فوق كل بندقية

خطيئة آدم

المشهد الأول
نهار داخلي - الجنة
ابتسمت حواء ابتسامة الواثق ورفعت ذراعها الذي ينتهي بإصبع رقيق يشير إلى تفاحة يحملها أحد فروع الشجرة المحرمة.. وبدا كل شيء في الدنيا ضئيلا أمام ابتسامتها المحتملة إذا ما نفذت لها هذه الرغبة المجنونة..ترى هل سيغفر الله لي هذه الخطيئة؟؟ هل سيغفر لي أنني بعت جنته في مقابل ابتسامة رضا على شفتي حواء ربما لن تستمر أكثر من دقيقة قبل أن تتحول إلى بوابة تدخل منها التفاحة إلى جوفها؟ أم أنه سيحملني ذنب القلب الذي خلقه بداخلي وتصبح خطيئتي رمزا أبديا للطمع البشري؟؟وهل كنت بالفعل أنتظر نصيحة صديقي إبليس كل أقدم على هذه الخطوة التي لا ريب ستكون الأخيرة لي في هذه الجنة؟؟ كنت لأفعلها ولو كان لإبليس رأي آخر
أخشى ما أخشاه أن يحمل التاريخ حواء ذنب هذه الخطيئة... وليكتب كاتب أو يقول قائل إنها باعت نفسها للشيطان بنصف تفاحة، أو أنها دشنت صناعة الطمع والعصيان... ولكن هل لدي اختيار؟؟ لقد خلقني الله بضعف فطري نحوها، وقدرتي على المقاومة تنهار على سطوة هذا الإصبع الذي يشير للفاكهة المحرمة
يا رب جنتك لا توازي ابتسامة من حبيبتي، سأفعلها ولو كانت آخر ما أفعل، ولو كان المقابل أن أطرد من هذه الجنة العامرة بكل شيء إلا من حبيبة تؤمن بقدرتي على تحدي الأمر المحتوم كما تؤمن بقدرتي على كسر الحاجز وتسلق الشجرة
المشهد الثاني
نهار داخلي - مكان خارج الجنة
تليفون آدم يرن بينما يجلس في مكتبه الخاص يعاني اختناق يوم طويل تعطل فيه التكييف
ايوة يا حياتي....لا هاتأخر، معلش بقا انتي فاهمة، موسم ولازم الحق اعمل أي مصلحة و................حاضر............................حاضر...................ماشي، بس افهميني، انا لما باقول......................حاضر يا حبيبتي.......................................................................................أنا آسف، وانتي عارفة انه مش قصدي.........................حاضر...............................حاضر والله.........................أجيب تفاح وانا راجع؟؟ حاضر يا ماما من عينيا.........................................سلام يا حبيبتي محمد رسول الله
تمت

سداد الدين

أعطني نصف رغيفك.. هل تذكر ذاك اليوم.. في الصيف الماضي.. أعطيتك نصف رغيف.. عندما كنت جائعا وكان معي رغيف يشبه ذاك.. مثله تماما.. أعطيتك نصفه هل تذكر؟.. شكرا شكرا.. نصف رغيفك أشبعني.. أمتعني والله.. أراحني بعد يوم طويل من السير.. انظر!! قدماي الحافيتان.. اليسرى بها شق متقيح.. هل تعطيني حذاءك؟؟.. أوترفض؟؟.. هل تذكر ذاك اليوم أعطيتك نصف رغيفي؟؟.. لولاي لكنت الآن.. لكنت.. ها.. لما كنت أساسا.. بالله عليك أأنقذ روحك ولا تفدي الروح بنعل؟؟.. يالك من رجل.. هل تــ... حسنا!! شكرا شكرا!!.. في هذا النعل أسير بلا ألم أو خوف من شوك الصحراء.. لكن أتظن الشرق أمان؟؟ أنا متجه شرقا.. لي دين عند عجوز أخشى يهلك قبل سداد الدين.. لا تأبه.. ما دمت رضيت بأن تعطيني فرسك فلا حرج عليك.. لكن مالك لا تعطيني حربتك أحمي نفسي فالشرق خطير وحصانك يثير لعاب قطاع الطريق؟؟ أوتبخل؟؟ يا الله يا الله.. انا نفس الشخص الأعطاك النصف رغيف بالصيف الفائت..هل تنسى؟؟ هل تنكر فضلي؟؟ الآن حربتي صارت.. ولو طلبتها مني ما تأخرت عليك.. هل تذكر يوم طلبت النصف رغيف.. هل تذكر؟؟ خذها الحربة لا تأسف.. أوتنزف؟؟ قلبي أوجعني لإقناعك.. أوتنزف؟؟ فلأرحل ولأنسى المعروف.. يبدو أنني وضعت النصف رغيفي في غير محل

Sunday, August 30, 2009

حفار القبور

هذا الرجل ميت بلا شك!!.. صدره ثابت لا يعلو ولا يهبط..وعيناه نصف مفتوحتين بلا حركة.. ولا معنى لرقاده على جانبه بهذا الشكل وفي هذا المكان سوى أنه مات.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. ألا أن من حسن طالعه أنني حفار قبور.. المهنة الوحيدة التي يحتاجها الآن

الأمر لله.. لأكسب فيه ثوابا وأدفنه في أي مقبرة تكون مفتوحة ولا يهم من كان صاحبها فالموتى لا يتنازعون القبور كما تتنازعها الأحياء

أتجه نحوه وأحمله بسهولة على ظهري كغرارة.. الرجل لا بد تخطى المئة.. ورغم ضآلة حجمه يبدو كأنه جبل لكنني حملته... وسرت في طريقي نحو صحراء الدراسة وقد نويت دفنه هناك.. فلا طاقة لي بحمله أكثر من ذلك وانحدرت متجاوزا السور الكبير متخذا طريقي نحو الصحراء الواسعة

وفي الطريق شعرت وكأن حرارة الميت ترتفع.. كأن حياة ما بدأت تدب في الجسد الهزيل الذي كان قبل دقائق باردا.. لكنني كذبت نفسي وقلت لعلها حرارتي أنا انتقلت إليه ورحت أدفع الهاجس المخيف عن رأسي.. كيف الموت لم يخفني وتخيفني عودة الحياة؟؟ حقا لا أعرف

وقبل أن اتخلص من الفكرة شعرت بالميت وقد انتشرت معالم الحياة فجأة في كافة أنحاء جسده الذي أحمله على ظهري.. ووثب برشاقة عجيبة من ظهري إلى كتفي وقبل أن أدرك هول المفاجأة استوى الرجل على كتفي وعقد ساقيه النحيلتين حول عنقي بقوة حديدية لم أملك وأنا أحاول الإفلات منهما إلا أن أسقط أرضا أتلوى دون أن يفل ذلك من بأس الرجل الذي لم ينطق حرفا ولم يصدر صوتا خلال معركة قصيرة أيقنت بعدها أنني أصبحت مطية لهذا الميت الحي حتى يقرر هو الهبوط عن كتفي

تماسكت قليلا فتمكنت من القيام بصعوبة.. ولم يسمح لي حملي بالنظر إلى أعلى لأستطلع وجهه بعد أن عادت إليه الحياة.. وأصبحت كل الاتجاهات محصورة في الأمام.. وأصبح الأمام محصورا في فرجة بين فخذيه من خلالها أسمع وأرى وأتنفس الرائحة النتنة لهذا الكائن القذر الذي يقودني الآن إلى حيث لا اعرف

ضغطة زائدة على جانب من وجهي تخبرني أننا سنتجه في هذا الجانب.. الوحش يريدني أن أحمله إلى عمق الصحراء إذا.. حسنا!.. حسنا حسنا لا تدفع!! ما الداعي لمزيد من الضغط؟؟ انا أسايرك مطيعا

لا أعرف كم ساعة مرت وأنا اسير في هذه الصحراء المخيفة... لكن أي خوف بها يفوق ما حدث لي بالفعل؟؟ إن أي وحش كاسر أو جن مريد يظهر الآن قد يكون رحمة الله المهداة لإنقاذي مما أحمل.. ربما لإنقاذه مني لو حانت لحظة أسقطه فيها

بدأت ساقاي تصرخان من ألم السير في هذه الرمال.. وقد فقدت أحد نعلي قبل ساعة وربما اكثر ولم يتح لي ذلك الوحش الغبي فرصة للعودة إليه فتركت الثاني طوعا.. وهأنذا أختبر ثقة الأشواك بلحم القدمين

لم يدع لي ذلك الشيء فرصة للاعتراض.. وتقطعت أنفاسي وقدمي وبعض ملابسي حتى وصلت به إلى بقعة منبسطة مستديرة.. لا يبدو انبساطها ولا توحي استدارتها الكاملة بأنها من فعل الطبيعة التي ليس في طبيعتها التناسق الكامل

وتتراخى ساقا الوحش فجأة ويتهاوى إحكام أعصابه على كتفي.. وقبل أن أدرك أيضا يسقط عن كتفي إلى ظهري ليرتطم بالأرض خلفي جثة هامدة.. لا أقف للتفكير.. ولا أبالي بمصيره.. أستغل الفرصة وأعدو إلى الأمام.. إلى لا مكان ولا اتجاه.. أسقط أرضا بعد خطوتين.. وأقوم لأواصل الهروب

خطوتين وأقف.. واستدير.. العجوز الميت على نفس وضعيته التي عثرت عليه فيها.. مستلق على جانبه الأيسر وقد سكنت أنفاسه تماما.. ووجدت نفسي أقف في وسط الدائرة العجيبة.. ووجدت نفسي أنا حفار القبور بلا بديل غير أن أحفر قبرا لهذا الرجل ولو بأظافري

Wednesday, August 12, 2009

نجاح بلا شهود

أقف على أعلى نقطة حملتني إليها ساقاي الهزيلتان وأستعد لمغامرتي التي طاردني حلمها أكثر مما طاردته
أنظر إلى قاع الجرف الصخري وأتصور حالي لو فشلت التجربة الوحيدة المتاحة للطيران دون أجنحة
أتراجع إلى الوراء قليلا وأنا أقاوم الخوف بجرعة من ريقي أبتلعها في نوبة جفاف أقنعتني ألا مجال للتراجع
أندفع إلى الأمام.. رأسا نحو قرص الشمس البرتقالي يسقط في الأفق.. وأرفرف بذراعي محاولا تحدي تفاحة نيوتن.. أشعر أنني أرتفع حقا في السماء.. ويبدو أن تجربتي المجنونة نجحت وليتني اصطحبت شاهدا يوثق هذه المعجزة
أضرب الهواء الدافئ لأسفل بقوة وحماس اقتراب النجاح.. أرتفع أكثر وأكثر.. وأقرر تطوير المحاولة.. سأطير نحو الشمس.. قيل لي إن الشمع في جناحي ابن فرناس ذاب وسقط عندما قرر الطيران نحو الشمس.. لكنني لا جناح لي.. سأطير نحو الشمس وليدفع الله الصدق في ذراعي الضعيفين كي أتحمل عمق الرحلة
لأكن أمينا وأنا على قمة العالم.. فلا أضعف من الكذابين.. لم أتوقع أن أكون أول إنسان يطير دون جناحين ولا ريش.. والآن لا أصدق أنني سأصل لحدود الشمس
بدأ العرق يغالبني وقطراته المالحة تزحف بين جفوني.. كان علي ان أعصب رأسي بإزاري القطني الأبيض.. ما حاجة طائر للملابس على أي حال.. رب ادفع في جناحي أقصى الصدق.. فأنا من عنف التجديف تعبت.. أغثني يا الله بصدق البأس في الجنوح والتجربة.. ادفعني بيدك إلى عمق التجربة
ليتني اصطحبت شاهدا على المعجزة.. أنا على وشك السقوط ورحلتي إلى الشمس كانت تحتاج استعدادا أكبر يبدو..ولا يمكنني العودة إلى حافة الجرف حيث انطلقت.. والهبوط سقوط لا محالة.. ليت أحدا رآني وأنا أحلق في السماء دون معاونة.. دون فضل من ريش أو جناح.. وبالحد الأدنى من صدق المحاولة
سيجدون أشلائي في قاع الجرف.. وسيظن المنتحبون أني انتحرت ببساطة.. ولن يعرف أحد أنني فعلتها.. أضرب بذراعي بكل بسالة الأمل الأخير.. لا فائدة.. أسقط في قاع الجرف وأسمع في البرزخ صوتها يقول.. انتحر المسكين.. ليتني صدقت هذيانه عن بيته يهديني إياه على حافة الشمس