Showing posts with label مسائل حسية صريحة. Show all posts
Showing posts with label مسائل حسية صريحة. Show all posts

Wednesday, December 09, 2009

بلا عنوان محدد


آه لو عرفت طعم افتقادك يا حبيبي.. كنت تركت الدنيا وراءك وعدت إلي.. انا سرك الذي لا يعرفه سواك.. أنا كما سميتني أنا ست النساء.. وهاهي السماء تنشق عن حقيقتي وهأنذا أشرق على الدنيا أبعث الدفء فيها وفي أوصالك التي أوشكت على الموت.. فانهض وانفض عنك برد الشتاء وأحبني بجنونك الصيفي المعتاد

أنظر إلى مرآتي الدائرية نظرة متفحصة.. أرى ابتسامة عريضة ليس وراءها وجه.. إلى هذا الحد اختفت معالمي وأصبحت أقل من انفعال واحد يرى بالعين؟؟.. ما كنت أحسب أن يختفي وجهي بهذه السرعة لكنه حدث.. والحمد لله أن بقيت ابتسامة ولو بلا وجه

انتبهت إلى أنه حاول أن يحكي لي عن بعض كوابيسه.. لكنني جفلت.. وربما اكتشفت في وقت لاحق أنني جفلت لأنه لم يكن حقا يريد أن يحكي لي عن بعض كوابيسه وانني لم اجفل بقدر ما تهذبت عن سماع الحقيقة

لا حاجة لي بأن أعيد القراءة.. لقد فهمت من المرة الأولى.. لكنني احتياطا لن أعيد القراءة لأعفي نفسي من الفهم من المرة الثانية.. وفي المرة القادمة إذا قرأت شيئا وفهمته فسأعفي نفسي أيضا من قراءته للمرة الأولى لكنني حتما ستكون لي ملاحظة على الإبهام

لماذا أخاف من نفسي لهذه الدرجة.. لماذا لا ألتفت إليها مباشرة وأتحدث إليها مباشرة وأفاتحها مباشرة في مواجهة مباشرة وحديث طويل حول جدوى المباشرة؟؟.. لقد يبست أصابعي على سيف لا يخرج من غمده.. وأصبحت كالتماثيل البرونزية في ميادين النصر.. أرمز إلى المعركة ولا أتحرك نحوها أبدا

الاتصال قضية الروح التي تسري في جسدين.. ما جدوى اتصال الروح مع عداء الجسد وما جدوى اتصال الجسد مع عداء الروح.. وما الحكمة العميقة في هذا العبث في توقيت تزامن الاتصالين

الإذاعة شرعية ما دامت قد بدأت بآيات الذكر وانتهت بآيات الذكر.. ولو كان كل الإرسال ضد الرسالة.. حبيبي أنت كارثة تمشي على قدمين وأنت الحجر المكسور في قاعدة البناء وأنت أسوأ لعنة أصابت الوجود منذ بدأ.. يا حبيبي

لم أجد حتى اليوم مبررا لكل ما تحمل في داخلك من حزن.. لقد عثرت عليك أول مرة وحيدا حزينا.. وأراك اليوم وحيدا وحزينا.. كأنك أنت الحزين في أصلك.. لكن منذا الذي عرف أصلك؟؟.. ولعله سعيد أصلك لكنك لم تدركه بعد.. أو لعله لم يدركك بعد

Saturday, October 17, 2009

عادات سيئة في زمن التكنولوجيا الحديثة


العادة الأولى: النظر إلى الموبايل وانتظار أن تضيء شاشته بنور مفاجئ يكشف عن اسم ورقم لشخص تنتظر بفارغ الصبر مكالمته.. ثم التطرف بوضع الهاتف إلى جوار جهاز آخر لتسبق الرنة أصوات زحف الاتصال.. في أوقات الشوق يصنع الجزء من الثانية فارقا كبيرا

العادة الثانية: ربط مسارات الحياة في القلب بنقطة افتراضية على الشاشة يتغير لونها من الأحمر (أوفلاين) إلى الأخضر (أونلاين).. عندما تمر الروح من ثقب افتراضي دقيق يتغير لونه.."هاي!"ثم تعود الحياة للحياة

العادة الثالثة: تحسس المشاعر بين الحروف الميتة لرسالة اس ام اس.. كيف الحب أصبح يدمج في كلمات يقتطع نصفها أحيانا لضيق مساحة الرسالة؟
العادة السرية: أن تلقي باسمها على جوجل لتبحث عن أي شيء غير متوقع يخصها.. صورة تعرفها أو خبر أو حكاية وربما تشابه في الأسماء.. متى يضيف جوجل خدمة البحث داخل القلوب لأكون أول المشاركين

Thursday, September 24, 2009

بيان هام إلى من يهمه الأمر

أنا كنت شــــيء وصبحـت شيء ثم شيء

شــــوف ربنا قـــــادر على كل شيء

هـز الشـجر شـواشيـه ووشـوشنى قـال:

لابد مـا يمـوت شـىء عشــان يحيا شىء

Friday, December 05, 2008

توســـــــــــــت


السر في ملعقة السكر الإضافية التي يضعها في خلطة التوست الفرنسي.. نقرة رشيقة على باب الشقة.. لا مجال للمفاجئات بعد اختراع الموبايل.. فقد هاتفته قبل دقيقة واحدة تقول إنها في طريقها إليه.. لم تبق في الإفطار سوى لمسات نهائية.. يفتح الباب ويلقي بنفسه في حضنها الدافئ لينسحب منه بسرعة مصطنعة متحججا بخوفه من احتراق الأومليت على نار الموقد..يسبقها إلى المطبخ ممسكا بأطراف أصابعها بينما تنظر هي إلى تفاصيل المكان الحقير وإن كانت لم تستطع كتم إعجابها بتنظيمه الدقيق لأدواته في المطبخ.. كل شيئ في مكانه وكأنه على وشك تصوير إعلان من إعلانات الزيت أو المطابخ..ترفع نظارتها الشمسية الفاخرة على شعرها الذي ما زالت آثار الغسيل الصباحي تكسو خشونته الأصلية وتغطي رائحته الطبيعية القوية..رقصة التزاوج لا تخطئها عين.. هو يقف بثبات مصطنع ويحاول أن يقنع شخصا وهميا بأنه منهمك في إعداد الإفطار بينما هي تعيد اختراع التانجو من حوله.. دورة في اتجاه عقارب الساعة.. ودورتان في الاتجاه المعاكس..ثم نصف دورة تمر فيها من تحت ذراعه التي يمسك بها السكين.. تتعمد أن تمر بين خطر السكين وخطر جسده الذي بدأت علامات الاستثارة تظهر فيه من تحت الملابس... ينظر إلى بقايا التوست الذي أوشك على الاحتراق في المقلاة نظرة مسروقة بين قبلتين.. ثم ينظر إلى شفتيها فتختلط عليه فكرة السخونة.. ثم يلتفت بلا مبالاة إلى التوست الذي اقترب لونه من التفحم .. ويقول في نفسه: لكل دوره في الاحتراق

Sunday, September 23, 2007

Anna Da Silva



الخرطوم الثامن والعشرون من نوفمبر 2005

وكأنني أحتاج إلى المزيد من الضغوط، حكمت علي ظروف العمل بالمبيت مع مديرتي في تلك الشقة الصغيرة بالطابق الخامس، والتي لا توجد فيها غير غرفة نوم واحدة بها سريران صغيران، حملت حشية أحدهما إلى أرضية الصالة واستلقيت عليها استعدادا للنوم

آنا دا سيلفا سيدة بريطانية تخطو نحو منتصف الأربعينات، واسمها الذي اشتهرت به في الأصل كخبيرة في الشئون الأنجولية هو آنا ريتشاردسون، أما دا سيلفا، فهو لقب زوجها، اللاجئ الأنجولي الأسود الذي كان له حظ الفوز بهذه المرأة الجميلة

منذ قابلت هذه السيدة للمرة الأولى وأنا عاجز نهائيا عن رفع عيني عن صدرها الذي حباه خالقه بجاذبية خاصة، وبذل في نحته أقصى فنون التكوير والاستدارة.. وأصبحت أسير هذين النهدين الرجراجين أنظر إليهما في بلاهة ودون تفكير كوثني شاخص إلى صنمه، يعتبر النظر إلى غيره خطيئة

ويبدو أن المرأة بداخل آنا قد أدركت أنها تسيطر علي سيطرة كاملة، ويبدو أنها بدأت تتلذذ بنشوة هذه السيطرة، وبدأت أنثاها الباطنية في حملة تعذيب منهجية منظمة علي.. أنا المنهار أصلا وأساسا، ولا يجوز في التعذيب كما لا يجوز في الميت ضربا

فبمجرد عودتنا من الخارج خلعت آنا سروالها وبقيت بكنزة بيضاء لا أكمام لها ولباس تحتي يظهر من جسدها بياضا كالنفير يعزف مع إيقاع النهدين ألحانه المجنونة على أوتار أعصابي المحترقة

وجلسنا في الشرفة وقد وضعت ساقا على ساق ليتقلب مركز عبادتي الوثنية بين الصدر والساقين صعودا وهبوطا في هيستيرية صامتة جعلتني أشبه بالدرويش الذي أدرك الحقيقة ففرت روحه من جسده لتندمج في ربه الرخامي الكامل بلا عوائق أو حواجز

ودار بيننا حوار لم أدرك منه كلمة واحدة، ولا أذكر حتى ماذا كان محوره وموضوعه، فأنا هائم في فلك الرغبة الدانية، لا مقطوعة ولا ممنوعة، ولكنها محاطة بسياج مكهرب من السلطة والتجبر كتبت عليه لافتة تقول: انظر كما شئت، وتخيل ما شئت، ولكن إياك أن تقترب من السياج، فإنك هالك لا محالة

وذهبت إلى فراشي الذي قضيت الليلة عليه كالمطرود من الجنة التي يفصلني عنها حائط سخيف، لو نفثت فيه بعضا من رغبتي لأذبته في لحظة، وبت مستيقظا رغم تعبي يأبى النوم الاقتراب من عيني، كما هي العادة منذ قبلت هذه الوظيفة التي بدأت في تخريب عقلي منذ اليوم الأول

واستيقظت آنا في الخامسة فجرا لتلحق بطائرتها المتجهة إلى جوبا في أقصى جنوب السودان، ووجدتني مستيقظا فلم يبد عليها العجب، بل وكأنها كانت لتتعجب لو وجدتني نائما بعد أن مستني بتلك الشحنة السحرية التي تعرف أكثر من غيرها فعلها في نفس هشة كنفسي

ونزلت معها طوابق خمسا حاملا حقيبتها إلى التاكسي الذي طلبته لها ليقلها إلى مطار الخرطوم، ولم تشكرني على حمل حقيبتها، ولكنها استدارت بعد أن وضعت حملي الثقيل في المقعد الخلفي للتاكسي ولفت ذراعيها حول عنقي وضمتني إليها بقوة تاركة ليدي حرية اختيار بقعة في ظهرها أضمها منها إلى صدري الذي تعالت فيه ضربات قلبي بشكل لا بد وأنها سمعته وفهمت بفطرتها ما يفصح عنه، وإلا لما أطالت الضمة حتى هدأ روعي واستكنت بين يديها كعصفور لا حول له ولا قوة

ربما لم تشعر آنا بشيء مما دار بنفسي طوال الليل ولم تدرك ما صورته لي خيالاتي المراهقة، وربما كان احتضانها لي مجرد امتنان لإجادتي في عملي على مدار شهر كامل، وربما ما كانت تقصد شيئا على الإطلاق، ولكنها وإن لم تقصد أعادت خلال هذه الليلة رجولتي إلى مرحلة تعليم الأبجدية بعد أن كنت أظن أنني بزواجي وببعض الخيابات السابقة عليه قد وصلت بهذه الرجولة إلى مرحلة النضج، واعترفت بأميتي الجنسية المخجلة، وبدأت مرحلة جديدة واقعية من ذكورتي والفضل لأستاذية الجسد المخضرم

Thursday, August 23, 2007

الحب في زمن الخطر

جنوب دارفور- نيالا-الخامس من أكتوبر 2006، منتصف الليل

الحب هنا أيضا مختلف، فالأنثى في حالة الخطر ليست كالأنثى في حالات الهدوء والاستقرار والدعة، وتلك التي تتهادى على وقع دقات كعوبها على الأرصفة الأسمنتية وتنتشي بزينتها وملابسها المتأنقة في السلم ليست كالتي تعمل في خيمة من خيام الصليب الأحمر بين القتلى والجرحى والدم والأشلاء، والإيقاع الوحيد الذي يحكم حركتها هو إيقاع طلقات البنادق وهزيم المدافع

شيء ما في امرأة الطوارئ يجعلها أكثر جاذبية، شيء ما في حذائها الرياضي البسيط وفي ملابسها التي تميل إلى الخشونة وفي حبات العرق النبيل الذي يسيل على وجهها وحتى في عصبيتها وحزنها مما تقاسيه يجذبك إليها

امرأة السلم لها أيضا سحرها، ولكن السحر بطعم الخطر ورائحة الخوف المثيرة له في القلب أثر مختلف.. ولا أذكر امرأة أثارتني كتلك الطبيبة التي كانت قد خرجت لتوها من غرفة الجراحة ووقفت أمام الباب تدخن بعصبية بينما تحجرت الدموع في عينيها وسال بدلا منها العرق الذي جمع شعرها الأحمر القصير في خصلات نثرت على جبينها في فوضى مبدعة، وكانت نيفين تقاوم البكاء بعد أن ماتت المولودة التي كانت تحاول تحريرها من رحم أم لم تبلغ بعد الخامسة عشرة

ماتت المولودة مختنقة، ولم تفلح محاولات نيفين في إنعاش قلبها الصغير، وانتهى بها الحال أمام غرفة الجراحة تبكي ولا تبكي، وتشعر بالذنب ولا ذنب لها، وتدخن سيجارتها بغضب لا أعرف إن كانت تدرك حقا على من توجه فوهته

هل يمكن أن تكون نيفين أكثر جاذبية في معطف من الفراء عنها في هذا المعطف الأبيض المخضب بدم الأم التي ما زال الجراحون يستكملون إسعافها بعد الولادة الفاشلة؟ هل يمكن أن يكون ذراعاها الذان غطاهما الزغب الرقيق أجمل إذا كان لديها من الوقت ما تنفقه في نزعه؟ هل كانت الأظافر الرطبة بفعل المطهرات ستكون أجمل لو توفر لها الطلاء؟ لا أعرف.. ولكنني أعرف أن جمالا ما يسكن هذا النمط من الفوضى والإهمال.. أعرف على وجه اليقين أنني سقطت في أسر تلك العيون الباكية بسرعة تزري بأي عيون نمقتها الماسكارا.. أعرف على وجه اليقين أن تلك الأصابع التي أوشكت على الاحتراق مع سيجارتها لهي أجمل عندي ألف مرة من الأصابع الناعمة المرفهة

فهمت الآن لماذا يصطحب بطل أفلام الحركة والإثارة معه فتاة جميلة، غالبا ما يكون دورها مقحما على الفيلم ولا حاجة إليه، إلا أن صناع هذا النوع من الأفلام يدركون جيدا كم ستكون هذه الممثلة مثيرة وجذابة عندما تبدأ المعارك ويتكاثر الأعداء وتضيق حلقات الخطر حول البطل وفتاته الرقيقة، وعندها سيرى الجمهور في الفتاة جمالها الذي تفجره ساعات الخوف ولحظات الترقب .. فلست وحدي الجمهور الذي يعشق جمال الأنثى تحت أضواء القصف والحرائق أكثر مما يعشقها تحت ضوء القمر

تحدثت إليها، وسرت الشرارة في الأرواح التي جففتها شمس دارفور القاسية بسرعة مخيفة، وارتفعت حرارة اللحظة فجأة وكأن الموقف لم يكن يحتاج أكثر من إشارة واهية ليلتهب بهذا الشكل الرائع.. ثمان وأربعون ساعة فقط فصلت بين عهد الحب الأفلاطوني وعهد الحب الآدمي، فقد انزاح أفلاطون وحبه عندما انزاحت التنورة الزهرية عن منابع الأنوثة الفائرة.. وأصبحت لغة العيون المتحرقة للحظة حب هي اللغة الرسمية لهذه العلاقة

نسيت أن أذكر، أو لعلها لذة الحبكة الأدبية فحسب، أن نيفين لا تفقه حرفا من أي من اللغات التي أتحدثها، وكذلك فإن معرفتي بلغتها التركية لا تتجاوز بضع كلمات، إلا أننا، وبحيلة بسيطة تمكنا من التواصل، فقد اتفقنا ضمنيا على تقول ما شاءت باللغة التركية على أن أرد أنا بالإنجليزية، وكلانا يصحب كلامه ببعض الإشارات ليصل المعنى، وأفلحت الحيلة إلى حد كبير، خاصة وأننا تجاهلنا تماما عائق اللغة الذي فقد مناعته حين تجاهلناه


أنا أيضا في حالة الطوارئ.. أنا أيضا بالنسبة لها رجل ساعات الخطر والإثارة والترقب.. وربما رأت هي أيضا في حقيبتي السوداء التي أحملها على ظهري، وفي قلمي المربوط في خيط إلى عنقي، وفي سراويل الجينز البالية، وفي شعري الطويل الذي تركت كل خصلة فيه على حريتها تذهب حيث شاءت، وفي نظارتي المنزلقة على وجهي المتعرق، ربما رأت في كل ذلك ما رأيت في فوضويتها المبدعة من جمال

أقول ربما لأنني لم أسألها، فلم أجد في لغة الإشارة البسيطة ما يكفي لمناقشة مثل هذه الأمور الفلسفية التي تضيع متعة الأوقات السعيدة أكثر من أنها مضيعة للوقت بشكل عام، ففضلت دون ذلك أن أتعمق في أفكار أخرى كفلسفة اصطكاك الأسنان بالأسنان أثناء التقبيل، وفي حكمة النظرة المثيرة التي تفصل دائما بين قبلتين أثناء وقفات التقاط الأنفاس، وفي عبقرية معارك الأصابع المتدللة المقاومة مع الأصابع النزقة المجتاحة


كنت أعرف أنها تكذب عندما وعدتني أن تزورني في مصر، وكانت بالتأكيد تعرف أنني أكذب عندما قلت لها أنني سأتبعها إلى حافة العالم لو كانت حافة العالم وجهتها

كنا نكذب، ونتحدث عن حب أبدي نعرف على وجه اليقين أنه مجرد حلم ليلة صيف، ينتهي بسرعة كما بدأ، ويعود إلى المجهول حيث أتى أول مرة، ولا يترك في الرأس سوى أثر رقيق يختفي مع اكتمال الإفاقة، ويعود طيفه إلى الذهن شفافا في استراحات القهوة، وفي لهب سيجارة آخر الليل... وهي أوقات مناسبة دائما أتحسر خلالها على أحلامي الصغيرة التي تراجعت عن مطاردتها.. وفضلت أن أبقى في مكاني حتى يدركني العمر، ويأتي من يهمس في أذني بشماتة: لقد حلت بك أشياء كثيرة، لكنك لم تفعل شيئا في حياتك

كنت أتمنى أن يأتي اليوم الذي أجلس فيه بثقة أمام شيخوختي وأقول بملء فمي: ها أنا أجلس وحيدا لا أملك شيئا، ولكنني سعيد.. قضيت حياتي في مطاردة فراشات أحلامي الملونة، وعلى قلة ما أمسكت من هذه الفراشات، فقد امتعني اتباع الحلم أكثر من تحقيقه، وكفاني أنني عشت الحياة بطريقتي

ولكن يبدو أن صورة الزمن الشامت في خيبتي ستكون هي المشهد الأخير في حياتي، فالفراشات تمر أمامي فرحة مرحة بينما أنا أقمع رغبتي الشديدة في العدو وراءها كالأطفال.. ما اللذي سيحدث لو أنني بالفعل صدقت، وتبعت الفتاة إلى حافة الدنيا؟ أي حساب للمكسب والخسارة يحرمني من بهجة الدخول في التجربة، ولا فارق ان نجحت أو فشلت؟ أليست الحياة في قفص من ذهب والموت على فراش من ذهب أقل متعة وجاذبية من الحياة في البرية والموت على قارعة الطريق؟

حيرني التفكير فسألت صديقتي الفنلندية العجوز عن أي الطريقين أسلك، طريق صيد الفراشات أو طريق الاكتفاء بمشاهدتها، فجاءت الإجابة القاطعة... العمر قصير، وحتى هذا العمر القصير، نعيشه مرة واحدة

أستمع إلى كاتي وصور كل امرأة ذرفت على كتفي دموع الفراق على أمل اللقاء على "حافة العالم" تمر أمامي متسارعة، ولو كنت أملك قلبي لقسمته على كل عاصمة زرتها لأرضي جميلة هنا وجميلة هناك، ولما جلست على الحشيشة الخضراء كالمشلول المقعد أشاهد مسرح الحياة ولا أشارك فيه ولو بدور هامشي

بعـــــــــــــد أيـــــــــــــــــــــــــام

تمر أيامي الأخيرة بتوقيتين، توقيت المشفق من مرور الوقت الذي لم يبق منه سوى عشرة أيام تغادر بعدها نيفين إلى بلادها بلا رجعة، وتوقيت الملول الذي يشعر أن الأيام تمر عليه بطيئة كسولة في انتظار العودة إلى الأهل والوطن... تضارب عجيب، فاللحظة التي أستمهلها هي ذاتها اللحظة التي أستعجلها.. واليوم الذي أعد ساعاته دقيقة دقيقة هو ذاته اليوم الذي أراه يفر على شاشة العداد العكسي فينقبض قلبي في مكانه

نحن الآن في شهر رمضان، واليوم مقسوم بطبيعته إلى ما قبل الإفطار وما بعده، كما أنه مقسوم بطبيعة الطوارئ التي تحكم دارفور إلى ماقبل حظر التجول وما بعده، ولما كان حظر التجول يبدأ في الحادية عشرة، بينما يؤذن إلى المغرب في الثامنة، ولما كانت هناك مخاطرة كبيرة جدا في الخروج بعد الحادية عشرة، فبحسبة بسيطة تتبين أن اليوم قد اختصر زمنه إلى ساعتين ونصف الساعة، وربما ثلاث ساعات على أفضل تقدير على اعتبار أننا نقضي تلثي اليوم الأولين في العمل

نيفين من إديرنة، وهي مدينة صغيرة تقع في الجانب الغربي من تركيا، أي في الجانب الأوروبي من البلد، وهي بالتالي مدينة تحكمها الطبائع والعادات الأوروبية التي تسمح لها باتخاذ صديق، ولكنها تمثل بثقافتها أقلية بين أبناء الجزء الشرقي الذي يميل إلى المحافظة، ويضع اعتبارا للقيم التقليدية ككلام الناس وسمعة الفتاة وسيرتها

ولهذه الأسباب اصبحت فرصتي لبناء علاقة سوية متماسكة بنيفين أشبه بمحاولة المرور من ثقب إبرة، فكلتاهما في عداد المستحيلات، إلى جانب أنني اضطر لاصطحاب إحدى زميلاتي ككموفلاج يستر الصورة الاجتماعية التي يعرف جميع سكان بيت الأتراك أنها مخترقة، وأنه لم يبق منها سوى النفاق الذي يرضي الشرقيين في غالب الأحيان أكثر من الحقائق

اصطحابي لزميلة من زميلاتي بما فيهن من صفات أكرهها عبء مزعج، ولكنني كنت أتحمله لأن البديل الآخر هو أن تخرج معي نيفين مصطحبة زميلة لها في الخمسين تدعى إمامة، وهي وكالة أنباء تمشي على قدمين، ولا تنفك تدس أنفها وتبدي رأيها في كل صغيرة وكبيرة، خاصة وبالتحديد إذا كانت هذه الصغائر والكبائر لا تخصها، ولكن عيبها الذي لم أطق له احتمالا هو انها تتحدث العربية، حيث أنها تسكن أنطاكية على الحدود التركية السورية، وهو عيب يفسد علي محاولة تواصلي مع نيفين التي استمتع فيها أكثر ما أستمتع بأنني لا أفهم لغتها، وبأنها لا تفهم لغتي

إمامة تتطوع بالترجمة في أوقات تتعمد أن تكون غير مناسبة، كأن أكون قد فهمت رطانة نيفين بشكل ما، فتحولها بالترجمة إلى معنى آخر أقل رومانسية أو العكس، وفي الوقت الذي أحتاج فيه إلى الترجمة تتشاغل إمامة بشيء آخر غير الحديث، وبالطبع أحيانا ما كانت تستغل معرفتها باللغة التركية في قيادة الحديث في الاتجاه الذي يحلو لها، ثم يتحول الحديث إلى حوار ثنائي بينها وبين نيفين أقوم أنا فيه بدور المتفرج المبتسم ابتسامة الضيف الذي أدرك أنه غير مرغوب فيه... وكان التصميم الهندسي لعيني إمامة في منتصف وجهها الذي يرتكز على عنق دقيق، والذي يشبه في فائدته العملية التصميم الهندسي لرأس البومة، يساعدها على إحباط محاولاتي لحك ساق نيفين، أو محاولات نيفين للإمساك بيدي من تحت الطاولة


افضل الأوقات كانت دائما تلك التي قضيتها في التحاور مع نيفين على الإنترنت، فقد كانت زميلتها جامزي، الطبيبة التي تسكن إديرنة أيضا، تقوم بالترجمة بيننا من وإلى الإنجليزية، والأسباب وراء استمتاعي بهذه الدردشة كثيرة، فأولا هذه هي الحوارات الوحيدة بيننا التي أفهمها وتفهمها نيفين بالكامل، وثانيا أنها تجري في الأوقات المحرمة أي بعد حظر التجول مما يجعلها إضافة إلى اليوم القصير

إلى جانب ذلك فإنني أحقق من ورائها متعة مزدوجة عندما أتخيل أن جامزي، التي تتمتع بقدر فائق من الجمال المثير، تستمع وتترجم همساتي الرومانسية لزميلتها، بينما أتعمد أن تكون هذه الهمسات على أفضل ما أملك من الحلاوة والرقة وأحيانا من التلميحات الجنسية المكشوفة.. بل أن نرجسيتي تصل إلى قمة النشوة عندما أقول لنيفين أن لا امرأة أخرى تضاهيها جمالا وجاذبية، متمنيا أن تثير كلماتي الغيرة في نفس جامزي كما تثير الغرور في نفس نيفين

ولم يخل الأمر أيضا من بضع مرات استفدت فيها من برودي الفطري بأن ذهبت منفردا إلى بيت الأتراك وقلت لأول من يقابلني، شرقيا كان أو غربيا، أن ينادي نيفين لأننا على موعد، خاصة إحسان، الشاب الخجول الذي لمحت في عينيه اعجابا خاصا بنيفين أثار غيرتي، وكم كانت متعتي تتضاعف عندما يكون إحسان هو الشخص الذي يناديها، والذي يراها وهي ترمي بنفسها في صدري بسعادة لا أظنه يخفق في قراءة معانيها

وسارت العلاقة على ما يرام، نسبيا وبالنظر إلى الظروف، ولم يكن ينغصها سوى فكرة العد العكسي التي كانت نيفين تعبر عنها بالإشارة بأصابعها العشرة منقصة منها إصبعا كل يوم، وكان هبوط إصبع يضيف إلى خطوط الحزن والقلق على وجهها خطا جديدا، ويضيف إلى جنوني بها حلقة جديدة، ولا بأس أيضا بالأحلام المستقبلية التي كانت تزداد بهاء كلما مرت الأيام واقترب الموعد الذي كان لا بد آت


جنوب دارفور- نيالا- الحادي عشر من أكتوبر 2006

وانتهت الأيام، وهبطت كل الأصابع، وجاء اليوم الأكثر إيلاما.. يوم المطار.. ذلك اليوم الذي أضطر أن أقف فيه أمام الأعزاء لأودعهم وأغلب ظني وظنهم أنه الوداع الأخير، وأنا أفضل أن أقف أمام قطار مسرع على أن أقف أمام حبيبة تبكي دموع الوداع.. خير لي أن تنشق الأرض وتبلعني على أن أردد عبارات المجاملة السخيفة التي تفيد بأن العالم صغير وأننا لا نعرف كيف يمكن لصدفة طائشة أن تجمعنا في مكان ما من هذا العالم

قضينا نصف الليلة الأخيرة على صخرة ناتئة تقع على الجانب الآخر من الطريق أمام قصر يلدز.. جلست ملتصقا بنيفين بينما ظلت جامزي تدور حولنا حاملة كاميرتها التي لا تفارقها، وتلتقط صورا لنا تحاول أن توثق بها تلك اللحظات التي لن تتكرر

لا أتصور أن تلك الصخرة على أطراف مدينة نيالا سوف تجمعني بنيفين وجامزي وسميرة وجنيد وإبراهيم وإمامة.. حتى إمامة الكريهة بدت في تلك اللحظة المكثفة شخصا عزيزا.. ولعله تأثير العرق الذي شربنا منه كمية كبيرة في محاولة بائسة للتغيب عن تفاصيل تلك الليلة المؤلمة

تماسكت عن البكاء في المطار بصعوبة شديدة، فلم أكن أريد أن أتسبب في مزيد من الألم لنيفين التي تشي عيناها بأنها لم تنم طوال الليل من شدة البكاء، وكنت أمازحها طيلة وقت الانتظار الذي قضيناه في مطار نيالا، وكنت في الوقت نفسه أتفادى النظر إلى إحسان الذي كان ينتحب كالأطفال ويتعمد أن يفعل ذلك أمامنا مباشرة، ولم يكن منظره يثير في نفسي الشفقة كما كان يثير فيها السخرية، فنيفين ليست جولتي الأولى معه، وقد انتهت جولتي السابقة معه في نفس الميدان، مطار نيالا، وكم أشبهت الليلة البارحة، هو يبكي وأنا أحتضن فتاة تبكي فراقي.. وكأنها مسرحية نؤديها كل ليلة، وينسدل فيها الستار على بطل منتصر وشهيد مهزوم

وعندما غابت نيفين وراء البوابة الإليكترونية، واعتقدت أن من حقي حينها أن أبكي، أطلقت العنان لدموعي التي أمسكتها طويلا فسالت حارة مؤلمة... انهار تماسكي دفعة واحدة، وطاف شريط الذكريات القصير أمام عيني دفعة واحدة.. ولم أملك إلا أن أستدير وأتجه إلى السيارة التي ستقلني إلى المسكن، وقد أغرقت دموعي وجهي وانهمرت علي نظرات الشفقة والتعاطف والتعجب من كل جانب


وألقيت نظرة أخيرة على إحسان الذي بدأ يكفكف دموعه ويستعد هو الآخر إلى الرحيل، وكأنه ظن أنني أعني بنظرتي: "إلى اللقاء ههنا في معركة جديدة"، بينما لم أكن أقصد أكثر من أن أقول له إننا في الهم سواء، ويبدو أن الدموع في عينينا حرمتنا راحة هذه النظرة المتعاطفة

Wednesday, November 29, 2006

ضجيج الصمــــــــت

نيالا – منتصف ليل العاشر من أغسطس 2006


عدت للتو من زيارة لقصر يلدز، وهو الإسم الذي أطلقته على مقر بعثة الهلال الأحمر التركي في نيالا، حيث يتميز المكان بفخامة لم أر مثلها في تلك المدينة البائسة التي زاد بؤسها بوفود مئات الآلاف من النازحين من قرى الجنوب إلى محيطها ليقطنوا حلقة من المعسكرات أوشكت أن تصبح مدنا مستقرة حول المدينة التي تتمتع بأمان نسبي أفضل من غيرها من المناطق في دارفور

بعثة الهلال الأحمر التركي تضم سبعة وعشرين شخصا ما بين أطباء وممرضين وإداريين، وهم يعيشون في هذا المبنى الجميل على أطراف المدينة في عزلة جغرافية ومعنوية تصل إلى درجة أن طعامهم يأتيهم من بلادهم سابق التجهيز، وأنهم لا يضطرون لشراء أي شيء من المدينة، وهو ما يجعلهم طبقة وحدهم من العاملين في منظمات الإغاثة الإنسانية الذين يتعايشون مع المجتمع المحلي ويختلطون بأفراده حتى لا تميزهم عن المواطنين غير ألوان بشراتهم المختلفة

تعلمت في هذا العمل أن العاملين بالصليب الأحمر ومنظمة أطباء بلا حدود هم رؤوس الحربة في عمليات الإنقاذ خلال النزاعات المسلحة، وهم لذلك أدنى إلى العسكريين من المدنيين، على الأقل من حيث اعتيادهم على شظف العيش واختلال الأمن وغياب أبسط مقومات الحياة، ولذلك كان فريق الهلال الأحمر التركي بما يتمتع به من رفاهية مثيرا لفضولي

شخصان فقط بين السبعة والعشرين تركيا يتحدثان الإنجليزية، أو للدقة، يظنان أنهما يتحدثان الإنجليزية، وهو ما جعل الحوار أشبه بالمستحيل، فشخص من فريقي يلقي عبارة بالعربية أترجمها إلى الإنجليزية ثم يترجمها واحد ممن يتحدثون الإنجليزية من الأتراك إلى اللغة التركية، ثم يعود بالرد من التركية إلى الإنجليزية ثم إلى العربية مرة أخرى من خلالي

انعدمت متعة الحوار بعد بضع دورات من الترجمة من العربية إلى الإنجليزية إلى التركية والعكس، خاصة وأن بعض الكلام كان محاولات للمزاح تحطمت على حواجز اللغة والوقت الذي تستغرقه الترجمة

وعندما خرجت اللغة المنطوقة من المعادلة، خلت الساحة للغة الأصلية للتواصل الإنساني، أقصد لغة العيون، فقد انطلقت عيناي تجوس بين الجالسين بحثا عن الاتصال الإنساني النقي الذي لا يشوبه نفاق ولا يعتوره تجميل وتنميق مفتعل

وبالطبع كان ذلك الاتصال "الإنساني" أسهل مع الجميلات اللاتي اصطففن في مقعد بعيد عن جلستنا، ففي حوار صامت تعرفت على تلك الفتاة الرقيقة ذات الشعر الذهبي المجعد والتي جلست في ركن الغرفة وقد ضمت ذراعيها العاريين إلى صدرها الملئ المستدير الذي تدخل أكثر من مرة بإفادات بليغة في حوارنا الصامت فأحسن القول كما أحسنت الإصغاء

ومرت ساعة تداخلت فيها الأصوات الصامتة من كل اتجاه حولنا، وتنكر عواء الذئاب في نظرات الحملان، وكذب الكاذبون وادعى المدعون، إلى أن تغلب همس سكوني في النهاية على الجميع بعد حددت مطالبي بوضوح لا لبس فيه، ويبدو أن صراحتي قد ربحت وسط هذا الخضم من الرياء الذي أحاط بنا

غريب أمر فعل التواصل بين البشر.. فمع ضغطة أصابع الفتاة الرقيقة على يدي عندما هممت بالرحيل انهار كل منطق في إصرار الإنسان على اتخاذ اللغة المنطوقة وسيلة وحيدة للتواصل، فها هو كل الكلام يجري بسهولة من العيون إلى العيون، ثم من الأنامل إلى الأنامل دون الحاجة إلى البحث في قواميس الكلام عن عبارة تحاصر الشعور في قوالب تحرمها نشوة الحرية والانطلاق

ومع الوعد والأمل المتفتح في عينيها الخضراوتين التين يصول الشباب بين حدقتيهما صولة الوحش البري الحبيس، تعلمت أن كثيرا من الكلام يموت على أعتاب الشفاه، وأن الكلمة التي تعيش بلا حد أقصى لتاريخ الصلاحية للاستهلاك الآدمي، هي بالتأكيد كلمة لست معلبة في حروف اللغات، لا الإنجليزية ولا التركية، ولا حتى العربية

Tuesday, October 31, 2006

الرجل والبطريــــــــق


سألت صديقة لي إذا ما كانت امرأة واحدة تكفي الرجل، أو بالأدق، طرحت رأيها بأن امرأة واحدة يجب أن تكفي الرجل، وأيدتها زميلتي التي كانت الأنثى الثانية والأخيرة في جلستنا، كما أيدها شاب آخر نسيت اسمه، وبحكم الطبع والتطبع رفضت هذا الرأي، فأنا من أنصار الطبيعة التي لا تؤمن ولا تتعاطف مع الاحتجاز الجنسي للذكر في أنثى واحدة باستثناء طائر البطريق وبعض الحيوانات التي تتمتع بولاء ساذج يدوم طوال موسم التزاوج، وقد يتعداه إلى عدة مواسم تالية

أما أنا فأنتمي إلى الفئة الأخرى من الكائنات الحية التي يقع على رأسها ذكر حشرة فرس النبي العابد، ذلك الصعلوك الذي يفترس فراشة في أول الليل يغري بها أنثى تقبل أن تقضي معه لحظات حميمة في مقابل الفراشة، وبعد أن يقضي الذكر وطره، يسرق فراشته ويطلق العنان لساقيه الخلفيتين بحثا عن أنثى أخرى تصدق كرمه الزائف، ولا يسلم الذكر فراشته تسليما نهائيا إلا للأنثى الأخيرة في ليلته العامرة، ولا يكون ذلك بدافع الكرم والعرفان كما يكون بدافع الإرهاق الذي يكون قد أصابه بسبب الهوى والهرب الذي يليه ثم الهوى والهرب وهكذا دواليك

ذكر فرس النبي هو مثلي الأعلى، ومبدأه أن أنثى واحدة لا تكفي، وأنا أتفق معه في هذا المبدأ الذي يقيم الحرية والتعدد حق قدرهما

لا يمكن أن تقنعني صديقتي وزميلتي وذلك الشاب الذي نسيت اسمه بأن امرأة واحدة يمكن أن تحقق لي الإشباع الكامل الذي لا أظمأ بعده لنظرة عين أو لفتة خصر أو ميلة أو حركة أو حتى وقفة صامتة وهو وضع لا يحمي المرأة من انجذابي الشديد إليها.. ولا يمكن أن تقنعني كل هذه العبارات السطحية أيضا بأن امرأتي الوحيدة ستكون سعيدة في حياتها مع بطريق لا يشتهي إنسانا غيرها ولا يدع الفرصة لإنسان آخر أن يشتهيه

الاكتفاء التام موت للغريزة وضمور للعاطفة، والنفس التي تقبل بالخيار الوحيد وترضى معدتها بذات الطعام، ولا تمل عيونها من المشهد الذي لا يتغير، هي نفس طلقت الطموح والثورة والرغبة في الفعل، وألفت الدعة والكمون والاسترخاء

الاكتفاء بامرأة واحدة في رأيي هو شكل من أشكال البطالة العاطفية المقنعة، فهو بطالة لأن نفسي تهفو للجمال بصفة عامة سواء كان وعاؤه امرأتي أو أي امرأة أخرى، وفي غير هذه الهفوات فإن عاطفتي تكون معطلة، وهو بطالة مقنعة لأنني عندما أشعر باختصار الأنثى في امرأة واحدة أكون قد تمكنت تماما من تغطية خيبتي بقناع من الرضا الزائف

وحتى تسنتفد طاقتي نهائيا، سأظل أحمل فراشتي بين فكي لا أتخلى عنها أبدا لأي أنثى مادامت سيقاني لا زالت قادرة على حملي بعيدا إلى شجرة أخرى، حيث تنتظر أنثى أخرى، ومادام قلبي نابضا فأقسم أنني لن أعيش أبدا بطريقا

Friday, October 27, 2006

البـــــــــــرص


درجة الحرارة تخطت الخمسين لثلاثة أيام متتالية، ولكنها أمطرت بالأمس، وعلى حسب تعبير سائق التاكسي الذي أقلني من المطارـ فقد أصبح الجو تمام ومافي أي مشكلة!! تعليق استفزني إلى درجة الصمت والعجز عن المناقشة، وهي حالة من الغضب نادرا ما أصل إليها، ولكن على أي حال، من ذا الذي يملك الطاقة للجدل والنقاش في درجة حرارة 43؟

إلا أن درجة الحرارة القاسية لم تحل دون سقوطي في نوم عميق، فقد كنت مجهدا من يوم طويل من العمل ومن رحلة جوية مرهقة من نيالا إلى الخرطوم، وخارت رغبتي في القراءة قبل النوم بعد عشر صفحات من رواية ميرامار التي قرأتها أكثر من عشر مرات في الخرطوم لسببين، الأول هو ولعي بأدب نجيب محفوظ الذي أعتبره أفضل روائي في العالم، والثاني هو أنه لا يوجد في شقة الخرطوم شيئا يقرأ غير ميرامار، وهو واقع أنسى دائما محاولة تغييره بعد أن أستغرق في الرواية التي كتبها نجيب محفوظ أيضا عشر مرات، ولكن في كل مرة يروي الأحداث من وجهة نظر بطل من أبطال روايته الخارقة، التي نجح في أن يجعل كل أبطالها نسخا من الصورة الكلاسيكية للبطل التراجيدي

رحت في النوم بعد منتصف الليل، واستيقظت في الثالثة على صوت يشبه تماما الطرق المنتظم على الزجاج، وبينما أغالب النعاس وأنفض عن عيني أشباح كابوسي المزمن، تبينت أن هذا الصوت لم يكن سوى صوت برص يناجي رفيقته ويدعوها إلى ما أحل الله بين بني الأبراص دون عقد ومهر وشهود، اللهم إلا الشاهد الذي أيقظته المناغشة والنداءات الحارة من ذكر البرص، وردود التمنع والاستعباط من الأنثى

تابعت المشهد الذي يجري فوق رأسي مباشرة وقد استلقيت كالعادة عاريا تماما، حتى ليخيل إلى الحبيبين المعلقين على السقف أنني برص عملاق هده الهوى، وربما كان هذا الذي طمعهما في ممارسة الحب أمامي دون خجل

وتضاربت في نفسي رغبتان، رغبة المندهش الذي ثار فضوله لمعرفة كيف "تفعلها" الأبراص، ورغبة الإنسان المتحضر الذي لا يمانع في ترك الغرفة للعشيقين لدقائق حتى يستمتعا بحياتهما الزوجية بمنأى عن العيون المتطفلة، وفي النهاية انتصرت الرغبة الثانية، خاصة بعد أن أيدها خوفي من يسقط أحد الحبيبين من فراشه على السقف إلى فراشي على الأرض اذا ما اشتعل الموقف بينهما، فخرجت إلى الصالة الضيقة أكتب هذه السطور وأستمع إلى أصواتهما المنبعثة من الداخل والسعادة تداعب قلبي وأنا أتصور أن تنتشر أنباء شهامتي بين أبراص العالم، وأحظى بينها بالتقدير الواجب على حركة الجدعنة التي قمت بها للتو مع اثنين منهم، ما كان مصيرهما مع أي شخص غيري إلا أن يلتصقا معا إلى الأبد بضربة شبشب أو هبة مقشة

غريب أن أتصور نفسي في مكانهما، لا أقصد أن أفعل الحب على السقف، ولكن أن يبلغ بي الاندفاع حد ممارسة الجنس علنا وأمام العيون لا بعيدا عنها!! يالها من رغبة منطقية على الرغم من جنونها الظاهري.. إذا كان الجنس تعبيرا مركزا عن النرجسية وتقدير الذات، فليس من المستغرب إذا أن تكتمل متعته بوجود المشاهدين

كما أن الحب، وهو المبرر المقترح لتأطير العلاقات الجنسية، لا يكتمل الإحساس به إلا بالإعلان، وإلا لما كان هناك تفسير لتشابك الأيدي على الكورنيش و"بكرة نعلن حبنا للعالم كله يا سعاد"؟

والزواج، وهو النهاية التراجيدية للحب والإطار التقليدي للجنس، أيضا لا يكتمل إلا بالإعلان، ويكفي أن تشاهد زفافا بلديا وتستمع إلى أغاني الفلكلورية المصاحبة، لتفهم حجم هذا الإعلان والرغبة الدفينة تحت الطبل والغناء والزغاريد، وما أراها إلا الجنس العلني

مضى ما يقرب من ساعة والذكر لا زال يطلب والأنثى تتمنع وأنا بالخارج أتفلسف في العتبة الفارقة بين الجنس العلني والفضيحة ام جلاجل

وفجأة سمعت فوق رأسي صوتا يشبه الطرق الواهن على الزجاج، ونظرت فإذا ببرص نحيل يقف على الحائط المقابل، وينظر من فرجة الباب على الحبيبين بالداخل، وتقافزت إلى ذهني الاحتمالات، ترى هل يكون هذا الصغير مراهقا اجتذبته التآوهات فأقبل يشاهد مشهدا ايروتيكيا مجانيا، فلما أخذته النشوة لم يتمالك أعصابه فصاح؟

ترى هل يكون ابنا غير شرعي لهذا الزوج الذي احتل غرفتي، جاء ليستنفر إنسانيتهما –مجازا بدل برصيتهما- أن يكفا عن هذه الأعمال التي تؤدي في النهاية إلى المزيد من أبراص الشوارع؟

هل يكون هذا الصوت تآوه عاشق مغدور تركته هذه الأنثى اللعوب على حائطه الخائب، وذهبت إلى الذكر الآخر الذي يجيد اللعب على السقف؟

ثم فكرت في الاحتمال الأسوأ، هل يكون هذا البرص زبونا ينتظر دوره، ولا تكون صيحته إلا استنكارا لتأخر الذكر الآخر في الإنجاز، وتضييعه الوقت في الكلام الفارغ؟

هو ذاك الاحتمال ولا شيء غيره.. الهانم التي تتمنع وتتعزز تبين أن مشيها بطال وإن كان على السقف، وأنها تبيع نفسها للراغبين ربما مقابل صرصار أو عدد معين من الباعوض، أنا لست خبيرا بدعارة الزواحف، ولكن لا شك عندي أن الأمر لن يخرج عن ذلك

لقد قبلت لعب هذا الدور في البداية لأنني كنت أظن أنهما حبيبان جاءا إلى شقتي ففرجت عنهما كربة من كرب الدنيا، ولكن أن يصل الأمر إلى تجارة الهوى وتدنيس الحب النقي وتشويه فلسفة الجنس العلني، هذا ما لا أقبله... ليحدث ما يحدث ولكن ليس في شقتي.. أين الشبشب؟؟ ... برة يا ولاد الكلب.. برة