
درجة الحرارة تخطت الخمسين لثلاثة أيام متتالية، ولكنها أمطرت بالأمس، وعلى حسب تعبير سائق التاكسي الذي أقلني من المطارـ فقد أصبح الجو تمام ومافي أي مشكلة!! تعليق استفزني إلى درجة الصمت والعجز عن المناقشة، وهي حالة من الغضب نادرا ما أصل إليها، ولكن على أي حال، من ذا الذي يملك الطاقة للجدل والنقاش في درجة حرارة 43؟
إلا أن درجة الحرارة القاسية لم تحل دون سقوطي في نوم عميق، فقد كنت مجهدا من يوم طويل من العمل ومن رحلة جوية مرهقة من نيالا إلى الخرطوم، وخارت رغبتي في القراءة قبل النوم بعد عشر صفحات من رواية ميرامار التي قرأتها أكثر من عشر مرات في الخرطوم لسببين، الأول هو ولعي بأدب نجيب محفوظ الذي أعتبره أفضل روائي في العالم، والثاني هو أنه لا يوجد في شقة الخرطوم شيئا يقرأ غير ميرامار، وهو واقع أنسى دائما محاولة تغييره بعد أن أستغرق في الرواية التي كتبها نجيب محفوظ أيضا عشر مرات، ولكن في كل مرة يروي الأحداث من وجهة نظر بطل من أبطال روايته الخارقة، التي نجح في أن يجعل كل أبطالها نسخا من الصورة الكلاسيكية للبطل التراجيدي
رحت في النوم بعد منتصف الليل، واستيقظت في الثالثة على صوت يشبه تماما الطرق المنتظم على الزجاج، وبينما أغالب النعاس وأنفض عن عيني أشباح كابوسي المزمن، تبينت أن هذا الصوت لم يكن سوى صوت برص يناجي رفيقته ويدعوها إلى ما أحل الله بين بني الأبراص دون عقد ومهر وشهود، اللهم إلا الشاهد الذي أيقظته المناغشة والنداءات الحارة من ذكر البرص، وردود التمنع والاستعباط من الأنثى
تابعت المشهد الذي يجري فوق رأسي مباشرة وقد استلقيت كالعادة عاريا تماما، حتى ليخيل إلى الحبيبين المعلقين على السقف أنني برص عملاق هده الهوى، وربما كان هذا الذي طمعهما في ممارسة الحب أمامي دون خجل
وتضاربت في نفسي رغبتان، رغبة المندهش الذي ثار فضوله لمعرفة كيف "تفعلها" الأبراص، ورغبة الإنسان المتحضر الذي لا يمانع في ترك الغرفة للعشيقين لدقائق حتى يستمتعا بحياتهما الزوجية بمنأى عن العيون المتطفلة، وفي النهاية انتصرت الرغبة الثانية، خاصة بعد أن أيدها خوفي من يسقط أحد الحبيبين من فراشه على السقف إلى فراشي على الأرض اذا ما اشتعل الموقف بينهما، فخرجت إلى الصالة الضيقة أكتب هذه السطور وأستمع إلى أصواتهما المنبعثة من الداخل والسعادة تداعب قلبي وأنا أتصور أن تنتشر أنباء شهامتي بين أبراص العالم، وأحظى بينها بالتقدير الواجب على حركة الجدعنة التي قمت بها للتو مع اثنين منهم، ما كان مصيرهما مع أي شخص غيري إلا أن يلتصقا معا إلى الأبد بضربة شبشب أو هبة مقشة
غريب أن أتصور نفسي في مكانهما، لا أقصد أن أفعل الحب على السقف، ولكن أن يبلغ بي الاندفاع حد ممارسة الجنس علنا وأمام العيون لا بعيدا عنها!! يالها من رغبة منطقية على الرغم من جنونها الظاهري.. إذا كان الجنس تعبيرا مركزا عن النرجسية وتقدير الذات، فليس من المستغرب إذا أن تكتمل متعته بوجود المشاهدين
كما أن الحب، وهو المبرر المقترح لتأطير العلاقات الجنسية، لا يكتمل الإحساس به إلا بالإعلان، وإلا لما كان هناك تفسير لتشابك الأيدي على الكورنيش و"بكرة نعلن حبنا للعالم كله يا سعاد"؟
والزواج، وهو النهاية التراجيدية للحب والإطار التقليدي للجنس، أيضا لا يكتمل إلا بالإعلان، ويكفي أن تشاهد زفافا بلديا وتستمع إلى أغاني الفلكلورية المصاحبة، لتفهم حجم هذا الإعلان والرغبة الدفينة تحت الطبل والغناء والزغاريد، وما أراها إلا الجنس العلني
مضى ما يقرب من ساعة والذكر لا زال يطلب والأنثى تتمنع وأنا بالخارج أتفلسف في العتبة الفارقة بين الجنس العلني والفضيحة ام جلاجل
وفجأة سمعت فوق رأسي صوتا يشبه الطرق الواهن على الزجاج، ونظرت فإذا ببرص نحيل يقف على الحائط المقابل، وينظر من فرجة الباب على الحبيبين بالداخل، وتقافزت إلى ذهني الاحتمالات، ترى هل يكون هذا الصغير مراهقا اجتذبته التآوهات فأقبل يشاهد مشهدا ايروتيكيا مجانيا، فلما أخذته النشوة لم يتمالك أعصابه فصاح؟
ترى هل يكون ابنا غير شرعي لهذا الزوج الذي احتل غرفتي، جاء ليستنفر إنسانيتهما –مجازا بدل برصيتهما- أن يكفا عن هذه الأعمال التي تؤدي في النهاية إلى المزيد من أبراص الشوارع؟
هل يكون هذا الصوت تآوه عاشق مغدور تركته هذه الأنثى اللعوب على حائطه الخائب، وذهبت إلى الذكر الآخر الذي يجيد اللعب على السقف؟
ثم فكرت في الاحتمال الأسوأ، هل يكون هذا البرص زبونا ينتظر دوره، ولا تكون صيحته إلا استنكارا لتأخر الذكر الآخر في الإنجاز، وتضييعه الوقت في الكلام الفارغ؟
هو ذاك الاحتمال ولا شيء غيره.. الهانم التي تتمنع وتتعزز تبين أن مشيها بطال وإن كان على السقف، وأنها تبيع نفسها للراغبين ربما مقابل صرصار أو عدد معين من الباعوض، أنا لست خبيرا بدعارة الزواحف، ولكن لا شك عندي أن الأمر لن يخرج عن ذلك
لقد قبلت لعب هذا الدور في البداية لأنني كنت أظن أنهما حبيبان جاءا إلى شقتي ففرجت عنهما كربة من كرب الدنيا، ولكن أن يصل الأمر إلى تجارة الهوى وتدنيس الحب النقي وتشويه فلسفة الجنس العلني، هذا ما لا أقبله... ليحدث ما يحدث ولكن ليس في شقتي.. أين الشبشب؟؟ ... برة يا ولاد الكلب.. برة