Saturday, November 14, 2009

زيارة تفقدية للدفتر الأزرق

هل تسمحين يا حبيبتي لي أن أغير الماء في مزهريتك؟
هل تسمحين لي أمسح اليوم كحل عينيك قبل النوم؟
هلا تركتني مرة أغسل قدميك بماء الورد؟
آمل ألا تمانعي أيضا أن أمشط شعرك المبتل وأشرب الماء الساقط؟
وهل تسمحين يا حبيبتي أن أطهو العشاء لاثنين ولا آكل كالعادة؟
وهل ستتركيني أغني رغم قبح صوتي وخيبتي الموسيقية؟
وهل أكون طماعا يا جميلة إذا طلبت أن أسهر كالعادة على حافة فراشك حتى تنامين؟
هل ستسمحين لي أن أبقى كما أنا حبيبك الذائب على الجلد والباقي تحت أظافر والمشرش في خصلات شعرك كعطرك وهل تعدين ألا يعطل شيء سيرتي معك
لا أخفيك يا حبيبتي أنني صرت لا أشتاق لوجودك إلا في وجودك.. ففي غيابك أعيد اختراعك في هواياتي الصغيرة

إذا تكلمت



عندي حكاية لا تختلف كثيرا عن حكايتي.. لا أحب أن أحكيها.. فحروفها تقتلني كل مرة.. وقد سئمت الموت كل مرة بهذه الطريقة.. لا تحتضني فتحطم ضلوعي

أجلس على الأرض وأرسم بإصبعي على التراب دائرة حولي.. أنظر إلى حيث أجلس فأبتسم.. الآن صنعت لنفسي دائرة آمنة.. لا أحد ولا شيء يخترق التراب

سألتني عن تلك المرة التي رأيتك فيها حلم يقظة.. ليست هناك تفاصيل.. فحلمي واحد دائما.. لا يتغير فيه شيء.. وسوف تكون روايته حين يكون سيرة شعبية

أقف وسطكم وأخلع ملابسي قطعة قطعة.. لن تروا جديدا.. انا من أنا منذ الأزل وسأبقى أبدا من أنا.. بعضكم مني وبعضكم لي وبعضكم أنا وكلكم في نهاية الأمر لستم غيري.. فإذا خجلتم من عريكم فقد خجلت قبلكم من ستركم

أبتلع الحريق خوفا من أن يحرق ملابسي.. هذا دأبي في الحرائق دائما.. والمشكلة الوحيدة أن فمي القابض على اللهب لا يعرف الابتسام

يأتي علينا زمان نجتر فيه ما أكلنا.. تكرار اللذة مؤكد وتكرار المرارة مؤكد.. يبدو أنني أحسنت الاختيار عندما توقفت تماما عن الأكل

ليتك أنجبت غيري.. ليتني ما نصحتك بتحديد النسل.. أشعر في محبتك بوحدة قاتلة وأخشى أن يقتلني هذا الحب ذات يوم

واحد.. اثنان..ثلاثة..لا نهاية.. ما جدوى التعداد في المطلق إلا لمن هو المحدود.. الحمد لله الذي خلقني غبيا لا يجيد الحساب حقيرا لا يسوءه إن كان الأخير

يا أبت مازالت معضلة معقدة على عقلي البسيط أن أجمع الواحد على الواحد ليكون الناتج واحدا ويبقى كل واحد واحدا.. صحيح أنني ما أوتيت من العلم إلا قليلا

يا بني.. سبق أن ذكرتك أن أحدا لن يلتفت إلى كلامك.. أن أحدا لن يلتفت إلى صمتك.. أما علمتك أن قدرك في السماء لا في الأرض؟؟ هل تريدني أن أبوح فأجعلك فتنة تكون أول ضحاياها؟؟ لا تفجعني فيك يا ولدي

اعذرني يا أبت أن عدت لبعض عاداتي الذميمة.. قضم الأظافر وجرح نفسي عمدا وتفادي النظر في المرآة والإفراط في الأكل سرا.. وقيل لي إنني عدت إلى وضع الجنين في النوم وعزوت ذلك إلى ضيق الفراش

كما علمتك دائما.. كن لأجلي ما أريدك أن تكون.. لا تحتفل ولا تحفل.. فلن يصيبك شيء أعظم من ميلادك.. ولن يضرك شيء أكثر من بقائك.. مثلك لا يحزن يا سعيد.. مثلك لا يخاف يا أسد المصارع.. مثلك لا يسأل فالسؤال طلب الضعيف وما فيك ضعف



Thursday, November 12, 2009

6


أدلف إلى غرفتي على عجل من يعرف طريقه جيدا رغم أن الكهرباء انقطعت عن الحي منذ يومين.. وقال جارنا صالح إنهم .. (لا أعرف على وجه التحديد أي "هم" يقصد) يعملون على إصلاح العطل

لا أبالي بالظلام فأنا (بكيفية ما) أعرف طريقي جيدا في الظلام.. ولا أصدم شيئا (أو أحدا) إلا إذا كنت اقصد صدمه.. أسير بسرعة نحو ركن الغرفة وأدور ليواجه ظهري الركن البارد وأترك نفسي للانزلاق إلى أسفل وقد أصدرت لنفسي الأمر الحركي بأن تنعقد ساقاي مع اكتمال وضعية الجلوس

أصل إلى الأرض وأركز بصري على نقطة ما وسط الظلام الدامس.. لا أغمض رغم الحاجة الطبيعية لحركة الأجفان.. لا أغمض رغم إحساسي باحتراق إنسان العين بعد جفافها.. ويحدث الأمر بغتة كالعادة
تضيء أمامي دائرة متوسطة الحجم ما تلبث أن تملأ كل الفراغ المقابل.. وما أن يكتمل الضوء يبدأ في التنفس وكأن به حياة.. أتمسك بإصرار بمحاولة توسيع الضوء حتى أشعر أنني غمرت رأسي في وعاء نور.. والآن يمكنني أن أبدأ

أبدأ في الانشقاق الذاتي.. قررت هذه المرة أن أتحول إلى ست ذوات دفعة واحدة.. شيء لم أفعله من قبل.. لقد اعتدت أن أنشق ثلاثا كل مرة.. لكن هذه المرة أتحدى قدرتي الخاصة تحديا خاصا
يغلبني التوتر للحظة.. وأتغلب عليه بقراءة بعض الصلوات والطلاسم الخاصة ثم أنحي التوتر جانبا وأبدأ في الضغط على إرادة الفعل بداخلي

تشتد الإضاءة إلى درجة لا تحتملها عين بشرية.. لكنني أركز على هدفي.. تحويل الضوء إلى اللون الأخضر.. فمن هذا اللون تنشق ذاتي الأولى ثم إلى الأحمر ومنه تنشق ذاتي الثانية.. ثم الأزرق البحري ومنه الثالثة
نصبح أربعة يملكون أركان الغرفة الأربعة ثم تبدأ المرحلة الصعبة.. إنها الذات الاشد بأسا لكنها للغرابة تأتي نسيمية من لونها الأسود وتنطلي الخامسة ذات البأس على الجدران الأربعة.. ثم يعود اللون الأخضر مرة أخرى فتولد منه الذات السادسة التي تحلق فوقنا

أنظر إلى نفسي التي تحولت إلى العدد المناسب وأبتسم.. ثم أمد يدي فتتصافح ايدينا ونشعر لوهلة أننا مختلفون.. لكننا نكتشف في دفء اللمسة أننا باختلاف ألواننا واحد.. ثم أنظر إلى الواحد فأجده يبتسم

Sunday, November 08, 2009

الميلاد الثاني


ولدت للمرة الأولى في التاسع من نوفمبر عام 1975 ثم اكتشفت بعد مرور 34 سنة أنني قضيت العمر جنينا وآن الأوان أن أولد من جديد
عندي أحلام كثيرة في الحياة القادمة.. أريد أن أحققها جميعا بعد أن ظللت حبيس هذا الرحم الخرافي لأكثر من ثلاثة عقود.. أحلم أولا أن ألتقي الدنيا بصرخة الميلاد..فلا أذكر أنني صرخت قبل اليوم في أي مرحلة.. وأحلم أن أتم رضاعتي عامين وأن يأتي فطامي فجأة.. وأحلم أن أترك للبكاء قليلا قبل أن أسعف بالطعام أو الحفاض أو ملين المعدة.. أريد أن أعتاد مبكرا تجربة البكاء
أريد أن أتعلم المشي قبل أن أتم عامي الأول.. ما أتعس أن أعيش قعيدا بهاتين الساقين الطويلتين.. دعوني أتعلم واتركوني لأقدار السقوط بين الحين والآخر.. أريد أن أعتاد مبكرا تجربة السقوط
لا تدللوني باسم مؤنث أرجوكم.. فإسمي هو كنيتي المفضلة وبه ما يكفيني من الدلال.. واتركوا أيضا كحل العين للبنات.. تعجبني عيوني هكذا دون رموش
لا تحتفلوا كثيرا بأول كلمة أنطقها.. فسوف يأتي كلامي غدا وفيرا.. ويقيني أنكم لن تحتفلوا بل لن تحفلوا بكلمة
فإذا أتممت عاما بعد عام فلتكن كعكتي مستطيلة بها شمعة.. أوقدوها ولا تتوقعوا أن يقدر على إطفائها أحد

Sunday, November 01, 2009

التوازن..الحياد..المصداقية

الطين -يقال- لونه أسود..والبعض يزعم أن السماء زرقاء.. ويقول مراقبون طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم إن أكثر الألوان تخضع لهوى الناظر..ونحن من جانبنا نؤكد أننا لا نؤكد شيئا ولا ننفي.. نبقى كما كنا دائما على الحياد

وصرح مصدر مسؤول قطعا أنه في الوقت الحالي لن يدلي بأية تصريحات والعهدة عليه فيما يصدر عنه فيما بعد أو يكون قد صدر بشكل غير رسمي ولم نعلن به.. أما نحن فنخلي مسؤوليتنا..لا يوجد شخص يدعى "مصدر مسؤول" وان وجد فسوف يصنف جماعة ارهابية

المفهوم بالضرورة ليس بالضرورة مفهوما بالضرورة.. والمسلمة نسبية.. والرأي أكثر نسبية لكنه في النهاية موال –يقال- للمسلمة.. وبسؤال شهود العيان تبين أن الحادث وقع قضاء وقدر نظرا لطبيعة الأرض في هذه المنطقة وهو أمر لا نؤكده ولا ننفيه وإن كانت حوادث مشابهة ترجح أنه وقع بفعل الفاعل

ووردت تقارير منقولة عن وكالة أنباء أخرى أنك تافه.. وهو ما تنفيه وبالعودة إلى الاستايل بوك تبعنا وجدنا أن من حقك أن ترد.. فإن كذبت التقارير جاء النبأ على ما يلي: كذب فلان تقارير تقول إنه تافه وأكد الاستايل بوك أنه "تافه له حق الرد".. نشكركم على حسن متابعتكم بصفتنا لا بأشخاصنا.. هذا ولم يتسن لنا التأكد من ذلك عبر مصدر مستقل

Friday, October 30, 2009

كلانا يزهر باللون الأبيض

ساعات وانا أسير على هذه الأرض الجبلية القاحلة.. ولا مكان في هذا السهل الحجري يمكن الاختباء فيه أو تحته من حرارة الشمس الحارقة.. والسير بلا اتجاه أسلم الطرق بعيدا عن الموت انتظارا

أنظر في المدى الذي تعمد أن يبدو رومانسيا في التوقيت غير المناسب.. وأتأمل على غير رغبة مني فعل الرياح التي نحتت الأرض في أشكالا هندسية متجانسة أورثتني شعورا بأنني أزحف على ظهر كائن قشري خرافي

في نهاية المطاف أجلس بعد ان اكتشفت انني أدور في دائرة واسعة.. وأنظر في قنينتي.. لم يبق فيها من الماء كثيرا.. وقد جف ريقي وبدأ الجفاف يسيطر على قدرتي على الاتزان.. لكنني لا أشرب.. فما زلنا في قيظ النهار والعرق يستهلك كل الماء.. كما أنني لا اتوقع أن أجد ماء في هذا المكان العجيب.. كأنه مصنع عملاق للجفاف والقسوة

أتأمل الأرض من بين قدمي المرتعشتين من فرط الإجهاد.. وأرى حركة واهنة في صدع في الصخر يملؤه التراب.. أوسع بين قدمي في ذهول.. أي حياة تدب في هذا الموات اللانهائي؟؟.. أدقق النظر وألحظ الحركة للمرة الثانية.. لا أملك تصرفا.. أفتح قنينتي لأصب ما بقي بها من ماء على مصدر الحركة الواهن تحت التراب.. ولا أفكر للحظة في مبرر لهذا التصرف الهستيري

تبرز من تحت الأرض رأس خضراء ما تلبث أن تنفلق.. وما يلبث انفلاقها أن يزحف بيقين إلى أعلى.. لم أر في حياتي نباتا ينمو بهذه السرعة.. فهل توقف الزمن وحسابه من أجل هذه اللفتة الحيوية؟؟ لا أعرف.. لكنني أشعر للمرة الأولى منذ استلمت هذا الفضاء الأبدي أنني على حافة شيء ما.. لا أعرف حجمه ولا أميز قدره.. لكنه الشعور الحدسي بإقبال المعجزة

استوت النبتة حتى قاربت هامتي.. وزاد جذعها سماكة حتى أجبر الفالق الحجري على الاتساع قليلا.. ثم أطلت من بين آخر البراعم كأس قاتمة الاخضرار انشقت في لحظة بدت بالنسبة لي أسطورية عن أوراق بيضاء.. الزهرة بيضاء اللون!!!.. لم يعد في قلبي أو في قلبها إذا سر بعد أن عرفت أنها تزهر باللون الأبيض..وأنا أيضا أزهر باللون الأبيض

وقفت أمامها بعدما اكتملت وأخذت أتأمل تناسقها الأخاذ..في داخلي ألف ألف عبارة شعرية.. وألف ألف حكاية ردت عليها الزهرة جميعا بقطرة من الندى انسالت على سطحها المخملي الخارجي.. وكم أذهلتني حكمة الرد
قررت لعلة خلقتها في قلبي بنفسي أن انام تحت هذه النبتة وأن أتوقف عن التفكير في أي حدود غير حدود تلك المعجزة.. وقبل أن أذهب في النوم.. أطلقت عليها اسما في سري.. وعندما استيقظ سأخبرها بالاسم.. لكنني الآن سأنام مبتسما

Saturday, October 17, 2009

عادات سيئة في زمن التكنولوجيا الحديثة


العادة الأولى: النظر إلى الموبايل وانتظار أن تضيء شاشته بنور مفاجئ يكشف عن اسم ورقم لشخص تنتظر بفارغ الصبر مكالمته.. ثم التطرف بوضع الهاتف إلى جوار جهاز آخر لتسبق الرنة أصوات زحف الاتصال.. في أوقات الشوق يصنع الجزء من الثانية فارقا كبيرا

العادة الثانية: ربط مسارات الحياة في القلب بنقطة افتراضية على الشاشة يتغير لونها من الأحمر (أوفلاين) إلى الأخضر (أونلاين).. عندما تمر الروح من ثقب افتراضي دقيق يتغير لونه.."هاي!"ثم تعود الحياة للحياة

العادة الثالثة: تحسس المشاعر بين الحروف الميتة لرسالة اس ام اس.. كيف الحب أصبح يدمج في كلمات يقتطع نصفها أحيانا لضيق مساحة الرسالة؟
العادة السرية: أن تلقي باسمها على جوجل لتبحث عن أي شيء غير متوقع يخصها.. صورة تعرفها أو خبر أو حكاية وربما تشابه في الأسماء.. متى يضيف جوجل خدمة البحث داخل القلوب لأكون أول المشاركين

Friday, October 16, 2009

سهر النائم

أجلس بهدوء على حافة فراشها.. وأنظر كالعادة إليها وهي ترقد هادئة مستكينة على جانبها الأيمن.. أسبح فوقها وأغوص في أعماقها وأتأمل الجسد النائم حتى ترتبك بي الحواس.. لا أعرف إن كنت أشم دفئها أم أسمع عطرها أم ألمس جاذبيتها أم أتذوق لونها.. لكنني أحب أن أسهر طول الليل أراقب عبقرية هذه العقدة الحسية وألومها كثيرا لأنها تكون خلال نومها.. نائمة

Thursday, September 24, 2009

بيان هام إلى من يهمه الأمر

أنا كنت شــــيء وصبحـت شيء ثم شيء

شــــوف ربنا قـــــادر على كل شيء

هـز الشـجر شـواشيـه ووشـوشنى قـال:

لابد مـا يمـوت شـىء عشــان يحيا شىء

Sunday, September 20, 2009

أمية القراءة والكتابة

افتح اللفافة التي أتخمتها الأوراق.. أحل من حولها شريطا من الساتان البني.. وأنتقي عشوائيا من بينها رسالة..لم أعد كما كنت أقرأ الرسائل.. وإنما أصبحت اشم عطرها الخافت.. وأدور حول محيطها الورقي.. وأتعمق في مفاهيم المساحات البيضاء بين الكلمات والمساحات البيضاء بين السطور.. ولا أذكر آخر مرة قرأت فيها رسالة منك.. أنا فقط استكشف تطريز الحروف في بعضها البعض كخيوط من حرير.. وأتذوق رسم الكلمات وألمس رشاقة الأصابع التي نثرت الحب مدادا وورق.. وأذوب بين ثنيات الطوي الأصلية.. ولا أقرأ من الرسائل كلمة..أنا حتى لم أقرأ تلك الرسالة عندما تسلمتها من يد ساعي البريد ذات صباح شتائي بارد..
يا حبيبتي انا لا أقرأ رسائلك أصلا..
لأنني أمي لا أقرأ ولا أكتب..
ولكنني أمسكها وألمسها وأنفذ من خلالها وأمتص حليب الحرف فيها.. وأطالعها كالملووث كالمجذوب.. أو كطفل يطالع حكاية مصورة.. وأنتظرك حتى تعودي ذات يوم لتقرأيها لي.. فأعرف حينها عما كانت الرسائل

من وحي مشهد سينمائي

أغمض عيني اليمنى التي ترتعش بثقل قطرة العرق فوق جفني.. وأفتحها بسرعة مركزا البصر على المسار الوهمي داخل تلسكوب البندقية والهدف.. الهدف وعليه خطان متصالبان.. وحوله دائرة..الهدف يرفع قنينة الماء إلى فمه.. ويشرب.. هو يستريح من ساعات قضاها في مراقبتي.. وأنا يحرق عيني ماء العرق المالح الذي ابتلعته الجفون.. بينما أشد بيدي الخيش الخشن الذي لففت به ماسورة البندقية إمعانا في الصمت..يعود الهدف إلى رقدته على بطنه.. ويمسك ببندقيته وتلتقي عيوننا مرة أخرى عبر مسارات الرؤية داخل التلسكوبين.. ومن خلال الخطوط المتصالبة.. ودوائر الإحكام.. هذه فرصة أخرى تضيع لاصطياده.. لا بأس.. أنا لا أصيد الهدف في لحظة ضعف.. والقناصة يقتلون بعضهم بشرف، وإلا لن تكون للقنص أي لذة.. ويصبح الاصطياد قتلا..التقط نفسا عميقا وأكتمه في صدري.. أزم شفتي وأضغط بذراع البندقية على كتفي لأسم دقات قلبي .. أبحث عن جزء من الثانية لا ينبض فيه القلب.. جزء من الثانية للسكون التام.. وبين نبضتين يهدأ كل شيء.. وأصير أنا والبندقية ومسار الرؤية والهدف وحدة واحدة.. أضغط الزناد بحسم.. وأسمع صوت انفجار الرصاصة داخل القاذف.. وأسمع صوت اختراقها لحاجز الصوت..لا نسمع صوت الرصاصة التي تقتلنا.. فهي أكثر مباشرة من أن تتحايل.. تقلع روحي رأسيا إلى أعلى.. وأشاهد في طريقي بعين الطائر الحر تلسكوبين محطمين فوق كل بندقية

ثلاث قبلات صباحية

القبلة الأولى
لتسقط الكلمات التي تقال ولتحيا إلى الأبد كلمة تسللت من الأنامل إلى الأنامل
أكره أن أبدأ رسالتي الصباحية بالهتاف.. ولكنها ديماجوجية الإحساس الأول بالحرية
القبلة الثانية
إفطار اليوم قلبي في صورة كوب شاي بحليب وبصورة حبة رمان انفرطت عفوا ودونما قصد.. وبصورة شطيرة يكسوها قلبي المتنكر في هيئة مربى المشمش ...لا تتوقعي أي يسد إفطاري جوعك يا حبيبتي فقلبي لا يسمن عصفورة مثلك.. وسينتهي بنقرتين
القبلة الثالثة
بالأمس أمطرت السماء.. وارتبكت كثيرا وأعلنت في وجه العاصفة أني أكرهها.. أعتذر يا حبيبتي أني خالفت عهدنا وكرهت المطر.. فقد كان الاتفاق أن تحتضنيني ساعة المطر.. وإلا يسقط الاتفاق

شجرة السكر

سؤال الطفولة المحير.. ترى هل يزرعون قوالب السكر.. أم يصنعونها؟؟ أفتيتهم ذات يوم بأنني رأيت قوالب السكر تنمو على الشجر.. وأن شجرة السكر تشبه كثيرا شجرة لوز منخفضة كشجرة تين وجذعها كالنخلة ولكنها بسيطة تشبه عشب الأرض كثيرا.. وأن لها عينين.. أقسمت لرفاق الطفولة أنني أعرف لون عيون شجرة السكر.. فكذبوني
أقسمت لهم أنني تذوقت السكر بنفسي على الفروع لا بعد الحصاد
قلت لهم إن الشجرة دائمة الخضرة
وأنها تتكلم
وأنها تطارحني الهوى دون أن تترك جذرها
وعندما لم يقتنعوا أن شجرة يمكن أن تعشقني.. أظهرت لهم صورتك.. ومن يومها إلى اليوم يعرف كل الأطفال أن قوالب السكر تنمو على أشجار تتكلم

حبيبتي لا تكتب لي

حبيبتي
لا أعرف لماذا أطلب منك كل يوم أن تكتبي عني كما أكتب عنك
لا أعرف لماذا أطالب شجرة اللوز أن تثمر حبرا وورقا
ولا أعرف وأنا استجدي الكتابة كيف لا تنبت الأوراق على أغصانك بيضاء لا خضراء كالعادة.. ولا أفهم سببا لهذا الإلحاح
قد لا أدرك يا حبيبتي أنني أكتب للهذيان وقد لا تدركين أنني أكتب للبقاء
ولكن رسائلي الزرقاء أصبح وثيقة مرور تعبر بها البشرية إلى حقبة تحكمها القصيدة
وقد يظن البعض أنني اكتبك رسائل أو قصصا شعبية، أو أنني أعيد نسيجك على نول لغتي الجديدة..
ويقول البعض إنني نرجسي يحمل سريره إلى عرض الطريق ويمارس فعل الحب علنا.. أو أنني فقط.. أبحث عن ناشر
ولا يعرفون يا حبيبتي أنني أكتب كي أعيش.. ففصول السنة تدور حولي وأنتهي كل صيف وأنتهي كل شتاء وأنتهي كل يوم جافا يابسا مصفر اللون..
ولولا الكتابة لفقدت ذاكرة الربيع
أنا أجتر الحكاية مرة بعد مرة فقط كي لا تسقط في خيالات المنفى ذاكرة الوطن.. وكي لا تسقط في خيالي ذاكرة الحياة.. ولولا صعوبة الموت قطعا ما اخترت الكتابة

اسمي أخضر

عندما قرأت عينيك للمرة الأولى.. أدركت أن فصلا من التاريخ قد انمحى للتو.. وأن فصلا جديدا ولدأدركت أن دولة بأسرها قد بادت.. وأن عصرك قد بدأعندما سكنت عينيك للمرة الأولى تغير وجه الدنيا.. وأعيد ترتيب رسوم القمر.. وأصبح الشتاء لا شيء سوى محطة انتظار للربيع.. وأصبح الصيف صيفا كله أماسي.. وعدت يا حبيبتي طفلا في الخامسة ألعب في باحة البيت.. وأطارد الدجاجات وأضحك في سري من توعدات أميعندما سقطت أنا في عينيك أعاد العلماء النظر في تفاحة نيوتن.. وأعادوا النظر في جاذبية السقوط.. واكتشفوا في النهاية أن قلبي قد سقط عندما صدق أنه تفاحةعندما ابتسمت في وجهي للمرة الأولى صدقت أنني يمكن أن أنبت في الأرض جذورا.. وأنني صرت شجرة من حقها أن تطلق الفروع نحو السماء .. ومن حقها أن تعانق كل صباح ضوء الشمس .. وصدقت أخيرا في قدسية اللون الأخضر وكنت أظنه خرافةعندما يا حبيبتي رفعت رأسك من نظرة الخجل وقررت أن تعمديني رجلا.. أيقنت وأنا أغتسل في دموعك أنني درويش لا محالة.. وعرفت لماذا تفضل أقدار الانجذاب للدراويش اللون الأخضر

خطيئة آدم

المشهد الأول
نهار داخلي - الجنة
ابتسمت حواء ابتسامة الواثق ورفعت ذراعها الذي ينتهي بإصبع رقيق يشير إلى تفاحة يحملها أحد فروع الشجرة المحرمة.. وبدا كل شيء في الدنيا ضئيلا أمام ابتسامتها المحتملة إذا ما نفذت لها هذه الرغبة المجنونة..ترى هل سيغفر الله لي هذه الخطيئة؟؟ هل سيغفر لي أنني بعت جنته في مقابل ابتسامة رضا على شفتي حواء ربما لن تستمر أكثر من دقيقة قبل أن تتحول إلى بوابة تدخل منها التفاحة إلى جوفها؟ أم أنه سيحملني ذنب القلب الذي خلقه بداخلي وتصبح خطيئتي رمزا أبديا للطمع البشري؟؟وهل كنت بالفعل أنتظر نصيحة صديقي إبليس كل أقدم على هذه الخطوة التي لا ريب ستكون الأخيرة لي في هذه الجنة؟؟ كنت لأفعلها ولو كان لإبليس رأي آخر
أخشى ما أخشاه أن يحمل التاريخ حواء ذنب هذه الخطيئة... وليكتب كاتب أو يقول قائل إنها باعت نفسها للشيطان بنصف تفاحة، أو أنها دشنت صناعة الطمع والعصيان... ولكن هل لدي اختيار؟؟ لقد خلقني الله بضعف فطري نحوها، وقدرتي على المقاومة تنهار على سطوة هذا الإصبع الذي يشير للفاكهة المحرمة
يا رب جنتك لا توازي ابتسامة من حبيبتي، سأفعلها ولو كانت آخر ما أفعل، ولو كان المقابل أن أطرد من هذه الجنة العامرة بكل شيء إلا من حبيبة تؤمن بقدرتي على تحدي الأمر المحتوم كما تؤمن بقدرتي على كسر الحاجز وتسلق الشجرة
المشهد الثاني
نهار داخلي - مكان خارج الجنة
تليفون آدم يرن بينما يجلس في مكتبه الخاص يعاني اختناق يوم طويل تعطل فيه التكييف
ايوة يا حياتي....لا هاتأخر، معلش بقا انتي فاهمة، موسم ولازم الحق اعمل أي مصلحة و................حاضر............................حاضر...................ماشي، بس افهميني، انا لما باقول......................حاضر يا حبيبتي.......................................................................................أنا آسف، وانتي عارفة انه مش قصدي.........................حاضر...............................حاضر والله.........................أجيب تفاح وانا راجع؟؟ حاضر يا ماما من عينيا.........................................سلام يا حبيبتي محمد رسول الله
تمت

سداد الدين

أعطني نصف رغيفك.. هل تذكر ذاك اليوم.. في الصيف الماضي.. أعطيتك نصف رغيف.. عندما كنت جائعا وكان معي رغيف يشبه ذاك.. مثله تماما.. أعطيتك نصفه هل تذكر؟.. شكرا شكرا.. نصف رغيفك أشبعني.. أمتعني والله.. أراحني بعد يوم طويل من السير.. انظر!! قدماي الحافيتان.. اليسرى بها شق متقيح.. هل تعطيني حذاءك؟؟.. أوترفض؟؟.. هل تذكر ذاك اليوم أعطيتك نصف رغيفي؟؟.. لولاي لكنت الآن.. لكنت.. ها.. لما كنت أساسا.. بالله عليك أأنقذ روحك ولا تفدي الروح بنعل؟؟.. يالك من رجل.. هل تــ... حسنا!! شكرا شكرا!!.. في هذا النعل أسير بلا ألم أو خوف من شوك الصحراء.. لكن أتظن الشرق أمان؟؟ أنا متجه شرقا.. لي دين عند عجوز أخشى يهلك قبل سداد الدين.. لا تأبه.. ما دمت رضيت بأن تعطيني فرسك فلا حرج عليك.. لكن مالك لا تعطيني حربتك أحمي نفسي فالشرق خطير وحصانك يثير لعاب قطاع الطريق؟؟ أوتبخل؟؟ يا الله يا الله.. انا نفس الشخص الأعطاك النصف رغيف بالصيف الفائت..هل تنسى؟؟ هل تنكر فضلي؟؟ الآن حربتي صارت.. ولو طلبتها مني ما تأخرت عليك.. هل تذكر يوم طلبت النصف رغيف.. هل تذكر؟؟ خذها الحربة لا تأسف.. أوتنزف؟؟ قلبي أوجعني لإقناعك.. أوتنزف؟؟ فلأرحل ولأنسى المعروف.. يبدو أنني وضعت النصف رغيفي في غير محل

Saturday, September 19, 2009

الرب الذي لا أعرفه



- أرجوك اطفئ سيجارتك..التدخين ممنوع في هذه السيارة
أطفأت سيجارتي دون غضاضة ونظرت إلى وجه سائق التاكسي صاحب الأمر السابق.. شاب في محيط العشرين من عمره ويغلب النحول جسده الأسمر وقد أطلت ذراعاه من داخل فانلة حمالات تحولت إلى اللون الأصفر بسبب العرق الذي لا يمكن تفاديه في العاصمة الغانية أكرا في هذا الوقت من السنة
لم أتعجب برود السائق الشاب.. فهذه ليست المرة الأولى التي أقابل فيها شخصية إنجليزية مستعمرة تختبئ في جسد أفريقي كهذا.. لكنني شعرت ببعض القلق عندما بدأ الفتى في الغناء.. خاصة وأنه كان يغني بلغة محلية لا أعرفها أغنية أقرب إلى النواح.. وقبل أن أقطع الغناء بسؤالي بادرني الشاب
- هل انت مسيحي؟
لم أعتد الإجابة على أسئلة تتعلق بديانتي في أي ظرف.. وبالتأكيد لن أتحدث عن ديني بارتياح في سيارة تسير بي قرب منتصف الليل في شوارع مظلمة لعاصمة تقف على خط الاستواء في بلد لم أدرس طبيعته الطائفية قبل أن أزوره.. ولم يكن عندي بديل غير الاستهبال
- وما جدوى السؤال؟.. كلنا أحباب الله
- إذا أنت لست مسيحيا.. لعلك على الأغلب مسلم

وقبل أن أرد عاد السائق إلى أغنيته الحزينة.. وهذه المرة قررت ألا أقطع عليه غناءه وبدأت أتعجل انتهاء هذه الرحلة التي يفترض أن تنتهي بي إلى مطعم بوسط المدينة..
- هل تعرف الرب؟
- أمثالنا لا يعرفون مثله.. وليس له مثل.. إنما تسمع عنه وأسمع عنه ولكن أنى لنا أن نعرفه
- وماذا تعرف عن الرب
- أعرف أنه منتهى كل شيء.. المطلق في كل الأمور
- وهل يحبك الرب
- لا أعرف.. لكنني أحبه
- الرب يحبك إذا التزمت بزوجتك ولم تخنها ويحبك إذا لم تدخن ويحبك إذا لم تسب الناس
- فعلا.. عندك حق.. هل بقيت مسافة كبيرة على المطعم؟

تجاهل السائق سؤالي الأخير وهو الأهم عندي في هذه المحاورة الفلسفية الضحلة وعاد إلى أغنيته
- ما هذه الأغنية؟
- هذه أغنية للرب

شعرت أن كل الأسئلة وكل الإجابات وكل ما يحيط بذلك الظرف المكاني والزمني تؤدي إلى الرب.. وقررت السكوت وبداخلي أدعو "الرب" أن أصل قاع أعمق في النقاش مع هذا الفتى الذي تنطق عيونه بهوس ديني عنيف
- الأغنية تحكي عن أحباب الرب.. الذين يحبهم الرب إذا التزموا بزوجاتهم ولم يدخنوا ولم يسبوا بعضهم البعض
- (لا أرد)
- هل تعرف الرب؟
-
(لا أرد)
يستاء الفتى لتجاهلي إياه.. ولم تفلح معه حيلة ادعاء جهلي بالإنجليزية.. فبعد كل هذه المناقشة يعرف السائق أنني أجيدها.. ولا يعود للغناء مرة أخرى
- هل تعرف الرب؟
- ( لا أرد)
- هل يحبك الرب؟
- (لا أرد)

Wednesday, September 09, 2009

بالمعنى ذاته

اعتادت كل صباح عندما كنت غاضبا أن تقرأ مني رسالة ذات معنيين.. واليوم أكتب لها رسالتين بالمعنى ذاته

أحبك

أحبك

Sunday, August 30, 2009

حفار القبور

هذا الرجل ميت بلا شك!!.. صدره ثابت لا يعلو ولا يهبط..وعيناه نصف مفتوحتين بلا حركة.. ولا معنى لرقاده على جانبه بهذا الشكل وفي هذا المكان سوى أنه مات.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. ألا أن من حسن طالعه أنني حفار قبور.. المهنة الوحيدة التي يحتاجها الآن

الأمر لله.. لأكسب فيه ثوابا وأدفنه في أي مقبرة تكون مفتوحة ولا يهم من كان صاحبها فالموتى لا يتنازعون القبور كما تتنازعها الأحياء

أتجه نحوه وأحمله بسهولة على ظهري كغرارة.. الرجل لا بد تخطى المئة.. ورغم ضآلة حجمه يبدو كأنه جبل لكنني حملته... وسرت في طريقي نحو صحراء الدراسة وقد نويت دفنه هناك.. فلا طاقة لي بحمله أكثر من ذلك وانحدرت متجاوزا السور الكبير متخذا طريقي نحو الصحراء الواسعة

وفي الطريق شعرت وكأن حرارة الميت ترتفع.. كأن حياة ما بدأت تدب في الجسد الهزيل الذي كان قبل دقائق باردا.. لكنني كذبت نفسي وقلت لعلها حرارتي أنا انتقلت إليه ورحت أدفع الهاجس المخيف عن رأسي.. كيف الموت لم يخفني وتخيفني عودة الحياة؟؟ حقا لا أعرف

وقبل أن اتخلص من الفكرة شعرت بالميت وقد انتشرت معالم الحياة فجأة في كافة أنحاء جسده الذي أحمله على ظهري.. ووثب برشاقة عجيبة من ظهري إلى كتفي وقبل أن أدرك هول المفاجأة استوى الرجل على كتفي وعقد ساقيه النحيلتين حول عنقي بقوة حديدية لم أملك وأنا أحاول الإفلات منهما إلا أن أسقط أرضا أتلوى دون أن يفل ذلك من بأس الرجل الذي لم ينطق حرفا ولم يصدر صوتا خلال معركة قصيرة أيقنت بعدها أنني أصبحت مطية لهذا الميت الحي حتى يقرر هو الهبوط عن كتفي

تماسكت قليلا فتمكنت من القيام بصعوبة.. ولم يسمح لي حملي بالنظر إلى أعلى لأستطلع وجهه بعد أن عادت إليه الحياة.. وأصبحت كل الاتجاهات محصورة في الأمام.. وأصبح الأمام محصورا في فرجة بين فخذيه من خلالها أسمع وأرى وأتنفس الرائحة النتنة لهذا الكائن القذر الذي يقودني الآن إلى حيث لا اعرف

ضغطة زائدة على جانب من وجهي تخبرني أننا سنتجه في هذا الجانب.. الوحش يريدني أن أحمله إلى عمق الصحراء إذا.. حسنا!.. حسنا حسنا لا تدفع!! ما الداعي لمزيد من الضغط؟؟ انا أسايرك مطيعا

لا أعرف كم ساعة مرت وأنا اسير في هذه الصحراء المخيفة... لكن أي خوف بها يفوق ما حدث لي بالفعل؟؟ إن أي وحش كاسر أو جن مريد يظهر الآن قد يكون رحمة الله المهداة لإنقاذي مما أحمل.. ربما لإنقاذه مني لو حانت لحظة أسقطه فيها

بدأت ساقاي تصرخان من ألم السير في هذه الرمال.. وقد فقدت أحد نعلي قبل ساعة وربما اكثر ولم يتح لي ذلك الوحش الغبي فرصة للعودة إليه فتركت الثاني طوعا.. وهأنذا أختبر ثقة الأشواك بلحم القدمين

لم يدع لي ذلك الشيء فرصة للاعتراض.. وتقطعت أنفاسي وقدمي وبعض ملابسي حتى وصلت به إلى بقعة منبسطة مستديرة.. لا يبدو انبساطها ولا توحي استدارتها الكاملة بأنها من فعل الطبيعة التي ليس في طبيعتها التناسق الكامل

وتتراخى ساقا الوحش فجأة ويتهاوى إحكام أعصابه على كتفي.. وقبل أن أدرك أيضا يسقط عن كتفي إلى ظهري ليرتطم بالأرض خلفي جثة هامدة.. لا أقف للتفكير.. ولا أبالي بمصيره.. أستغل الفرصة وأعدو إلى الأمام.. إلى لا مكان ولا اتجاه.. أسقط أرضا بعد خطوتين.. وأقوم لأواصل الهروب

خطوتين وأقف.. واستدير.. العجوز الميت على نفس وضعيته التي عثرت عليه فيها.. مستلق على جانبه الأيسر وقد سكنت أنفاسه تماما.. ووجدت نفسي أقف في وسط الدائرة العجيبة.. ووجدت نفسي أنا حفار القبور بلا بديل غير أن أحفر قبرا لهذا الرجل ولو بأظافري